تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص — صفحة 429

مساهمون:

ص٤٢٩
( أعظم الناس ) كلهم ولهذا كان من خواص الخواص ( وأحقهم ) ، أي أحق الناس باسم المتقي وبصفة التقوى وباستحقاق ما للمتقين من الثناء في الدنيا والجزاء في الآخرة ( وأقواهم ) ، أي أقوى الناس بصيرة في معرفة اللّه ، وقلبا في خدمته بالأعمال الصالحة ( عند الجميع ) ، أي جميع الناس من الخواص والعوام ( وقد يكون المتقي ) من خواص الخواص معناه بعكس ما ذكر يعني ( من جعل نفسه ) عنده ( وقاية للحق ) تعالى ( بصورته ) الظاهرة له بحسه وعقله فكان هو الظاهر لنفسه بربه وربه غيب عنه ، فقد اتقى ظهور ربه له بظهور نفسه بربه لا به ( إذ ) ، أي لأنه ( هوية ) ، أي ذات ( الحق ) تعالى ووجوده المطلق عين ( قوى ) جمع قوّة ( العبد ) المتقرب بالنوافل كما مر في الحديث كسمعه وبصره لا أذنه وعينه . ( فجعل ) ، أي هذا المتقي ( مسمى العبد ) ، الذي هو مجموع الصورة الظاهرة والباطنة ( وقاية لمسمى الحق ) سبحانه ( على ) طريق ( الشهود ) فالحق سبحانه يشهد العبد ببصره ويسمعه بسمعه والعبد مشهود لا شاهد ، والأول شاهد لا مشهود ، والأوّل حال السالك والثاني حال الواصل ، وكلاهما من خواص الخواص ، وهما النوعان الواردان في حديث الإحسان وهو قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم « الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه » « 1 » ، وهو حال المتقي الأوّل فإنه يرى اللّه تعالى لا يرى معه غيره ، فقد اتقى نفسه بربه وجعل ربه وقاية له من نفسه ، وجيء فيه بأداة التشبيه وهي كان المقتضية لتشبيه رؤية تلك الحالة برؤية اللّه تعالى من حيث كمال الحضور معه سبحانه ، والفناء عن شهود كل شيء سواه ، وهي رؤية الغائب في الحاضر ، كرؤية زيد الغائب عنك عند رؤية داره أو ثوبه أو دابته بتذكرك له كمال التذكر ، بحيث تغيب عن الحاضر الذي أحضر ذلك الغائب عندك وتحضر عند الغائب ، وإليه أشار الشيخ شرف الدين عمر بن الفارض قدس اللّه سره بقوله :
ناب بدر التّمام طيف محيّا * ك لعيني في يقظتي مذ حكاكا فتراءيت في سواك لعين * بك قرّت وما رأيت سواكا وكذاك الخليل قلّب قلب * ي طرفه حين راقب الأفلاكا
ثم أشار صلّى اللّه عليه وسلم إلى النوع الثاني من الإحسان بقوله : فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، أي فإن لم تكن ترى الحق في حال كونك كأنك تراه بأن غبت عن شهود الغائب عنك الذي كنت تشهده ، وحضرت عند نفسك التي كنت تشهد بها ذلك الغائب
هامش
( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .