فقال له : اكتب فجرى بما هو كائن إلى الأبد » « 1 » .
( فهو ) ، أي الحق تعالى ( الإنسان الكبير ) الذي قامت به صور العالم كلها ، وهي منه فهو قيومها ، وهو المدبر للعالم كله بالروح الأعظم الذي هو من أمره سبحانه ، وهو القيوم على كل شيء ، وجميع الصور صورته التي خلق عليها آدم عليه السلام ، كما ورد في الحديث : « أن اللّه خلق آدم على صورته » « 2 » . فآدم هو الإنسان الصغير في مقابلة ذلك الإنسان الكبير ، وعلم آدم الأسماء كلها فتسمى بتلك الأسماء كلها ، فنزع سبحانه حلة الأسماء عن جميع العالم وألبسها لآدم عليه السلام ، وعمر به دار الآخرة إلى الأبد ، ويوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات .
وفي الحديث : « ما وسعني سماواتي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن » « 3 » وهو الإنسان الكامل العالم للأسماء القائم بها في جملة العالم وتصاريف الأحوال .
( فهو ) ، أي الحق سبحانه ( الكون ) الظاهر للحس والعقل من حيث الوجود لا الأشخاص العدمية إلا من حيث القيومية ، فهو القائم عليها بما كسبت لا هي قائمة ( كله ) ، أي روحانية وجسمانية ( و ) مع ذلك ( هو الواحد ) الأحد الفرد الصمد ( الذي
قام ) ، أي ثبت ( كوني ) ، أي وجودي الظاهر بالوهم ( بكونه ) ، أي وجوده الحقيقي الظاهر بالتحقيق ( فلذا قلت ) عن وجوده الظاهر ( أنه يغتذي ) ، أي يستمد من حيث هو ظاهر بصور الأشياء .
( فوجودي ) ، أي ثبوتي في الأزل بعلمه ووجودي الوهمي المجازي به ( غذاؤه ) ، لأن ينسب إليه فيظهر به ، لأنه له كما قال تعالى :
لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
[ البقرة : 284 ] ، ( وبه ) ، أي بالحق سبحانه لا بغيره إذ لا غير ( نحن ) معشر بني آدم والمراد أهل الكمال منهم ( نحتذي ) ، أي نتحاذى ونتقابل ، فيقابلنا بوجوده ونقابله بصفاتنا ، فنغذية بالصفات ويغذينا بالوجود ، فنظهر نحن وهو ، ونبطن نحن
هامش
( 1 ) ونصه كاملا : عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : وإن أول ما خلق اللّه عز وجل القلم فقال له : اكتب فقال : يا رب ما أكتب قال : اكتب القدر فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة قال : فارتفع بخار الماء فخلق منه السماوات ثم خلق النون الذي عليه الأرض من فوقه فتحرك النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال ، فإن الجبال لتفخر على الأرض بأنها أثبتت بها » . رواه أبو الشيخ في العظمة ، ( 29 ) صفة الأرضين وما فيهن من خلق اللّه عز وجل . . ، حديث رقم ( 478974 ) [ 4 / 1380 ] وأبو يعلى في المعجم ، باب الألف . حديث رقم ( 69 ) [ 1 / 82 ] ورواه غيرهما .
( 2 ) هذا الحديث سبق تخريجه .
( 3 ) هذا الحديث سبق تخريجه .