( وإن أخذنا ) معنى
( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
[ الشورى : 11 ] على نفي المثل ) والكاف لتأكيد النفي ( تحققنا بالمفهوم ) ، أي مفهوم من نفينا المثل عنه على وجه التأكيد وكل مفهوم محدود فهو تحديد ( و ) ثبت ( بالإخبار الصحيح ) عنه تعالى وإن احتمل التأويل عند أهل الأغيار ( أنه ) سبحانه ( عين الأشياء ) كما قال تعالى :
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ
( 49 ) [ القمر : 49 ] على قراءة رفع كل بأنها خبر إن . وقال تعالى :
قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ يونس : 101 ] ، وقال أيضا :
وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ
[ الأنعام : 3 ] ، وقال :
فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ
[ البقرة : 115 ] .
( والأشياء محدودة ) بحدود تميز بعضها عن بعض ( وإن اختلفت حدودها ) اختلافا كثيرا ( فهو ) ، أي الحق تعالى ( محدود بحد كل محدود ) من الأشياء المحدودة ( فما يحد شيء ) بحد ( إلا وهو ) ، أي ذلك الحد ( حد للحق ) تعالى وهذا كله من حيث ظهوره تعالى بصفة القيومية على كل محسوس أو معقول من تجلي اسمه الظاهر والآخر ، وأما إطلاقه الحقيقي الذي هو عليه في نفسه أزلا وأبدا من غير تغير أصلا ، فهو أمر معجوز عنه يتعلق به إيمان العارفين على وجه الإسلام له فقط ، وهو من تجلي اسمه الباطن والأوّل فهو تعالى :
الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
[ الحديد : 3 ] .
( فهو ) تعالى من تجلي اسمه الظاهر القيوم الذي لا يصير من حيث هذا التجلي باطنا أصلا ، وهو أيضا من تجلي اسمه الباطن لا يصير ظاهرا أصلا ، لأن أسماءه تعالى قديمة باقية لا تتغير ولا تتبدل ( الساري ) من حيث ظهور وجوده المطلق في قيود الصور الممكنة العدمية الثابتة بعلمه القديم وتقديره وقضائه إلى آجالها المقدرة ( في مسمى المخلوقات والمبدعات ) من المحسوسات والمعقولات ، وليس هذا السريان كسريان شيء في شيء لاستحالة وجود شيء مع اللّه تعالى بنفسه ، وإنما الوجود الظاهر لما سواه هو عين وجوده ظهر بملابسة ما سواه ، وكل ما سواه معدوم بالعدم الأصلي .
قال تعالى :
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
( النور : 35 ) . وفي الحديث من دعاء النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « أعوذ بنور وجهك الكريم الذي أضاءت له السماوات والأرض ، وأشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، أن تحل عليّ غضبك أو تنزل عليّ سخطك » « 1 » إلى آخره .
هامش
( 1 ) رواه الطبراني في الدعاء ، حديث رقم ( 1036 ) [ 1 / 315 ] ومحمد المقدسي في الأحاديث المختارة ، حديث رقم ( 162 ) [ 9 / 179 ] .