ومن حكم ابن عطاء اللّه الإسكندري رحمه اللّه تعالى : « الكون كله ظلمة وإنما أناره ظهور الحق فيه » ( ولو لم يكن الأمر كذلك ) ، أي هو تعالى بالوجود المطلق سار في كل محسوس ومعقول سريان ظهور في المعدومات بحيث لا يتغير بها أصلا ولا تتغير به عما هي عليه في عدمها الأصلي من الأحوال الممكنة ( ما صح ) ، أي ثبت واستقام ( هذا الوجود ) الذي جملة العالم من كل محسوس ومعقول ( فهو ) ، أي الحق تعالى ( عين الوجود ) المطلق بالإطلاق الحقيقي وإن تقيد في ظهوره بكل صورة لا قيد له في نفس الأمر من حيث اسمه الباطن ( فهو ) ، أي الحق تعالى كما قال في كلامه القديم ( على كل شيء ) محسوس أو معقول ( حفيظ ) يحفظ ذلك الشيء من أن يزول عن وجوده الموهوم ( له بذاته ) سبحانه التي هي الوجود المطلق المذكور
( وَلا يَؤُدُهُ )
، أي لا يعيقه سبحانه ( حفظ شيء ) من الأشياء كما قال تعالى :
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ
[ البقرة : 255 ] ( فحفظه تعالى للأشياء كلها ) محسوساتها ومعقولاتها هو ( حفظه ) سبحانه ( لصورته ) التي هي كل صورة في الحس أو العقل لصدور الكل عنه وقيامه بوجوده قيام معدوم بموجود ( أن يكون الشيء ) الهالك إلا وجهه أي المعدوم إلا وجوده ( غير صورته ) سبحانه فكل الصور له ولا صورة له ، لأنه إذا كان عين صورة لم يكن عين صورة أخرى ، فيتنزه عن الصورة الأخرى ، وإذا كان عين الصورة الأخرى أيضا لم يكن عين الصورة الأولى ، فيتنزه عن الصورة الأولى فهو عين الصور كلها ، فهو منزه عن الصور كلها ( ولا يصح ) في حقه تعالى عند العارفين به المحققين ( إلا هذا ) الأمر ( فهو ) تعالى ( الشاهد من الشاهد و ) هو أيضا ( المشهود من المشهود ) فهو الشاهد والمشهود كما أقسم سبحانه بقوله وشاهد ومشهود ، ولم يقسم بغيره إذ ما ثم غيره ، والغيرية من جملة حضراته سبحانه .
* * * فالعالم صورته ، وهو روح العالم المدبّر له فهو الإنسان الكبير .
فهو الكون كلّه * وهو الواحد الّذي
قام كوني بكونه * ولذا قلت يغتذي
فوجودي غذاؤه * وبه نحن نحتذي
فبه منه إن نظر * ت بوجه تعوّذي
ولهذا الكرب تنفّس فنسب النّفس إلى الرّحمن ، لأنّه رحم به ما طلبته النّسب الإلهيّة من إيجاد صور العالم التي قلنا هي ظاهر الحقّ .