إذ هو الظّاهر ، وهو باطنها إذ هو الباطن .
وهو الأوّل إذ كان ولا هي .
وهو الآخر إذ كان عينها عند ظهورها .
فالآخر عين الظّاهر والباطن عين الأوّل .
وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
[ البقرة : 29 ] لأنّه بنفسه عليم .
فلمّا أوجد الصّور في النّفس وظهر سلطان النّسب المعبّر عنها بالأسماء صحّ النّسب الإلهي للعالم .
فانتسبوا إليه تعالى .
فقال : « اليوم أضع نسبكم وأرفع نسبي » أي آخذ عنكم انتسابكم إلى أنفسكم وأردّكم إلى انتسابكم إليّ .
( فالعالم ) بفتح اللام ( كله ) وهو ما سواه تعالى ( صورة ) على معنى أن كل صورة فهو صورته ومجموع الصور كلها صورته ظهر بها له فيها وتنزه عنها له فيها فبطن وظهر وما عنه بطن ولا لغيره ظهر ( وهو ) سبحانه ( روح العالم ) بفتح اللام ( المدبر له ) ، أي للعالم فهو كل الأرواح ، وهو كل النفوس ، وهو كل الأجسام ، وهو كل الأحوال والمعاني ، وهو المنزه عن جميع ذلك أيضا ، إذ لا وجود إلا وجوده ، والجميع مراتبه وتقاديره العدمية التي هي على عدمها الأصلي .
قال تعالى :
وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً
[ الفرقان : 2 ] ، فبين لنا أن التخليق للأشياء معناه التقدير لها فقط . وفي حديث عبد اللّه بن عمرو بن العاص ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه عز وجل خلق خلقه في ظلمة ، فألقى عليهم من نوره ، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ، ومن أخطأه ضل فلذلك أقول جف القلم عن علم اللّه تعالى » « 1 » ، هذا تمام الحديث وجفاف القلم كناية عن عدم التغيير والتبديل عما هو في الأزل وإن وقع التغيير والتبديل في اللوح المحفوظ ، لأنه من جملة الأحوال المخلوقة ، أي المقدرة في ظلمة العدم من الأزل فلا تغيير ولا تبديل وليس المراد بجفاف القلم عدم جريانه بالكتابة ؛ ولهذا ورد في حديث رزين بإسناده إلى أبي بن كعب ، قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « أول ما خلق اللّه عز وجل القلم
هامش
( 1 ) رواه الحاكم في المستدرك ، كتاب الإيمان ، حديث رقم ( 83 ) [ 1 / 84 ] ورواه ابن حبان في صحيحه ، ذكر إلقاء اللّه جل وعلا النور . . ، حديث رقم ( 6169 ) [ 14 / 43 ] ورواه غيرهما .