الغيرية الإلهية ، وكلا الصفتين والموصوف واحد وهو الحق تعالى ، فظهر بهذه في قوم وظهر بهذه في قوم في كل زمان ومكان على مراتب ودرجات كثيرة إلى أن يرجع إليه الأمر كله ( فتفاضل الناس ) في العلم بالحق تعالى ( وتميزت المراتب ) التي هم موصوفون بها بالعلم الإلهي ( فبان الفاضل ) منهم ( والمفضول ) .
قال المصنف رضي اللّه عنه : ( واعلم ) يا أيها السالك ( أنه ) ، أي الشأن ( لما أطلعني ) ، أي كشف لي الحق تعالى ( وأشهدني ) في المنام الذي هو وحي المؤمنين كما كان فيه يوحى للأنبياء والمرسلين ، أو في عالم السير إلى اللّه في اللّه باللّه ، الذي يأخذ عن الحس والعقل ، ويرفع حجاب المحسوسات والمعقولات ( أعيان رسله ) ، أي رسل اللّه تعالى ( وأنبيائه كلهم البشريين ) ، أي المنسوبين إلى البشر ( من آدم إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلم ) ، أي على محمد ( وعليهم ) ، أي على بقية الأنبياء والمرسلين ( أجمعين في مشهد ) ذوقي ( أقمت ) ، أي أقامني الحق تعالى ( فيه ) ( ) - ، أي في ذلك المشهد ( بقرطبة ) من جملة جزيرة الأندلس من بلاد المغرب ( سنة ست وثمانين وخمسمائة ) من الهجرة النبوية ( ما كلمني أحد ) في ذلك المشهد ( من تلك الطائفة ) ، أي الرسل والأنبياء عليهم السلام ( إلا هود عليه السلام فإنه أخبرني بسبب جمعيتهم ) ، أي الرسل والأنبياء عليهم السلام ، أي اجتماعهم لي في مشهدي ذلك حتى رأيتهم أي ذكر له استعداده الذي به استحق اجتماعه بهم في حضرة سلوكه .
( ورأيته ) ، أي هودا عليه السلام ( رجلا ضخما ) ، أي كبير الجثة ( في الرجال ) قد زاده اللّه تعالى بسطة في العلم والجسم ( حسن الصورة ) الإنسانية الظاهرة ( لطيف المحاورة ) ، أي الكلام وهو حسن الصورة الباطنة ( عارفا بالأمور ) ( ) - الإلهية ( كاشفا لها ) ، أي مبينا بذوقه وكلامه ( ودليلي على كشفه ) عليه السلام ( لها ) ، أي للأمور الإلهية ( قوله ) فيما حكاه اللّه تعالى عنه في القرآن
( ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ )
[ هود : 56 ] ، وقد سبق الكلام في ذلك ( وأي بشارة للخلق أعظم من هذه ) البشارة التي هي أخذ الحق تعالى بناصية كل دابة وقودها إليه سبحانه على الصراط المستقيم فالاعوجاج الذي في أعمال بعض الدواب ، الذين هم شر الدواب كما قال تعالى :
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ
[ الأنفال : 22 ] أمر عرضي ليس من أصل خلقتهم كما قال تعالى :
فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها
[ الروم : 30 ] فالغضب الذي منه تعالى في مقابلة ذلك أمر عارضي على الرحمة الأصلية التي وسعت كل شيء ، فلا بد أن يتكافأ الأمران وتتقابل الحضرتان ظاهرا ، أو يرجع كل شيء إلى أصله باطنا كما سبق تقريره .
( ثمّ من امتنان اللّه تعالى علينا ) معشر هذه الأمة ( أن أوصل إلينا ) سبحانه ( هذه )