تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص — صفحة 411

مساهمون:

ص٤١١
وقد ورد النّصّ الإلهيّ بهذا كلّه . إلّا أنّه تعالى وصف نفسه بالغيرة ، ومن غيرته « حرّم الفواحش » . وليس الفحش إلّا ما ظهر وأمّا فحش ما بطن فهو لمن ظهر له . ( وفي هذا الريح ) المريحة مما ذكر ( عذاب أي أمر ) من الأمور الإلهية ( يستعذبونه ) ، أي يجدونه عذبا لذيذا ( إذا ذاقوه ) من حيث كشفهم عن حقائق نفوسهم الهالكة الفانية بظهور الوجود المطلق القيوم عليهم بالموت الذي ذاقوه ، والنفوس هي التي تذوقه أوّلا عذابا مؤلما ، فإذا زال حكم مغايرتها واستقلالها بالوجود ذاقته عذابا لذيذا بحكم الفناء عنه كما سبق ، ولكن إن غلب عليهم هذا المشهد الذوقي ، وهو غالب بحكم الموت المقتضي لكشف الغطاء النفساني الذي كانوا فيه . ( إلا أنه ) ، أي هذا الأمر الذي يستعذبونه ( يوجعهم ) من جهة حكم نفوسهم التي ماتوا عليها ( فرقة المألوف لهم ) من الدعوى القائمة بنفوسهم والغفلة التي كانوا يتوهمونها نفس الأمر ، فظهر لهم ما لم يكن في حسابهم . قال تعالى :
وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ
[ الزمر : 47 ] . وذلك عين العذاب وعين تألمهم به ، فإن الجعل المتولد من الزبل يتألم برائحة الورد ويتعذب بها ، ولهذا قال تعالى في حق أصحاب الكهف السالكين في مسالك الفتوّة على طريق خاص خلاف المعهود لنبينا صلّى اللّه عليه وسلم :
لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً
[ الكهف : 18 ] . وذلك لخلاف المألوف له في مسالك النبوّة المحمدية من الأنس بالحق في الخلق ، وهم في الوحشة من الخلق في الحق ، والأنس بالحق في الحق ، ولهذا آووا إلى الكهف لينشر لهم ربهم من رحمته ، وهو عين الأنس به فيه ، ولو كان لهم به أنس في الخلق كمحمد صلّى اللّه عليه وسلم لآووا إليه تعالى لا إلى الكهف في عين ما آووا إليه من الكهف ، ولكن كمال الوحشة التي قامت بهم أدتهم إلى ذلك ففروا من الخلق إلى الخلق بالحق عكس ما فعل محمد صلّى اللّه عليه وسلم حين قال تعالى :
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ
[ الكهف : 110 ] ، فإنه فر من الحق إلى الحق بالخلق وهو نفسه ، ولما كان حاله على النقيض من حالهم قال تعالى ما قال لهم فلو اطلع عليهم صلّى اللّه عليه وسلم لأدركته الوحشة التي في نفوسهم وأخذه الرعب الذي عندهم ووحشتهم بالحق من الخلق ورعبهم كذلك ولهذا قالوا : عمن هم خائفون منهم
إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً
( 20 ) [ الكهف : 20 ] ، ومحمد صلّى اللّه عليه وسلم قاسى من قومه بالفعل أكثر مما توهموه من قومهم بالقوّة ، ولم يستوحش ولم يخف . ولما كانت هذه الوحشة وهذا الرعب فيهم بالحق لا بدعوى نفوسهم ، أخبر