السحاب الذي رأوه مستقبل أوديتهم
( هذا عارِضٌ )
، أي سحاب
( مُمْطِرُنا )
[ الأحقاف : 24 ] ، أي منزل علينا المطر ( فظنوا خيرا باللّه ) سبحانه وإن كانوا لم يعرفوا الحق الذي هو عين الوجود المطلق الظاهر لهم في صورة السحاب الممكنة العدمية ولم يروا ولم يعرفوا غير تلك الصورة الممكنة العدمية ، المسماة بالسحاب الظاهرة لهم بقيومية الحق الذي هو الوجود المطلق ، فإنهم في نفس الأمر حين ظنوا أن ذلك السحاب فيه مطر سينزل عليهم فيسقي أراضيهم فتنبت لهم فينتفعون بذلك .
قد ظنوا خيرا باللّه سبحانه المتجلي عليهم في تلك الصورة السحابية العدمية بالعدم الأصلي ، بحيث لم يتغير سبحانه حين تجليه بها عن إطلاقه القديم ، ولم يتقيد بها إلا عند من أراد أن يتجلى بها عليهم ، وإن كانوا لم يشعروا بذلك ، فإنهم لم يشعروا بتجليه سبحانه عليهم في صورة نفوسهم وأجسامهم ، بل صورة كل شيء محسوس لهم ومعقول كما ذكرنا فضلا عن أن يشعروا بالتجلي في تلك الصورة السحابية به ، والتكلم الآن من حيث الحقائق لا من حيث الظواهر العقلية فاقتضى ذلك ( وهو ) ، أي اللّه سبحانه موجود ( عند ظن عبده ) كما ورد في الحديث القدسي : « أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي خيرا » « 1 » ، فإن خصصنا العبد بعبد الاختصاص كان المراد بظنه يقينه من قوله تعالى :
الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ
( 46 ) [ البقرة : 46 ] الآية .
وإن عممنا في العبد كما هو المناسب هنا كان باعتبار ظهوره تعالى في كل صورة لكل شيء ، وإقبال كل شيء على ما هو مطلوبه من صورة كل شيء ، كالعطشان تجلى له في صورة الماء فظن به سبحانه خيرا من حيث لا يشعر بتجليه عليه ، كذلك فكان سبحانه موجودا عند ظن عبده به بعين ما ظنه به من إزالة العطش عنه .
وهكذا في كل عبد من أهل السماوات والأرض . قال تعالى :
إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً 93 لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا 94 وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً
( 95 ) [ مريم : 93 - 95 ] . ( فاضرب لهم ) ، أي لقوم هود عليه السلام ( الحق ) سبحانه ( عن هذا القول ) وهو قولهم :
هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا
[ الأحقاف : 24 ] ( فأخبرهم ) سبحانه في الإضراب المذكور ( بما هو أتم ) لهم وأكمل ( وأعلى في
هامش
( 1 ) روى نحوه البخاري في صحيحه في بابين أحدهما : باب قول اللّه تعالى : « تعلم ما في نفسي . . ، حديث رقم ( 6970 ) [ 6 / 2694 ] وروى نحوه مسلم في صحيحه في أبواب عدة منها : باب الحث على ذكر اللّه ، حديث رقم ( 2675 ) [ 4 / 2061 ] ورواه غيرهما .