القرب ) إلى جنابه لأنهم ظنوا به خيرا ، وإن لم يشعروا بمن ظنوا به الخير ( فإنه ) سبحانه ( إذا أمطرهم ) وأعطاهم عين ما ظنوه ( فذلك ) ، أي المطر ( حظ ) ، أي نصيب ( الأرض وسقي الجهة ) ، أي البستان وحائط النخل الذي لهم ( فما يصلون ) هم ( إلى نتيجة ذلك المطر ) بخروج الثمار والزروع وانتفاعهم بذلك ( إلا عن بعد ) من الأسباب ( فقال لهم ) سبحانه في ذلك الإضراب ( بل هو ) ، أي الوجود المطلق الحق ( ما ) ، أي الذي ( استعجلتم به ) ، أي طلبتم أن يعجلكم ، يعني يأتيكم بعجلة وسرعة من كثرة شوقكم إليه من حيث لا تشعرون ، واستعجالهم به كان في صورة العذاب الذي تخيلوه بنفوسهم ، فكذبوا به حين أخبرهم به نبيهم . قال تعالى :
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ
[ العنكبوت : 53 ] ، وهم كذلك .
ثم قال تعالى إخبارا عما جاء به ذلك العارض الذي رأوه فظنوه ممطرا هو ( ريح فيها ) ، أي في تلك الريح
( عَذابٌ أَلِيمٌ )
، أي موجع ( فجعل ) سبحانه ( الريح إشارة إلى ما ) كان لهم ( فيها ) ، أي في تلك ( من الراحة لهم ) من إتعابهم ( فإن بهذا الريح ) التي هي
صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ 6 سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ 7 فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ
( 8 ) [ الحاقّة : 6 - 8 ] ( أراحهم ) سبحانه ، أي أراح نفوسهم وأرواحهم ( من هذه الهياكل ) ، أي الأجسام التي كانت لهم ( المظلمة ) بظلمات الغفلة والجهل باللّه تعالى ، والعمى عن الحق والتكذيب به ، والغرور بالحياة الدنيا .
( و ) من هذه ( المسالك ) ، أي الطريق التي كانوا سالكين فيها بعقولهم وخيالاتهم فكانوا ضالين مضلين ( الوعرة ) ، أي ذات الوعر غير السهل ( والسدف ) جمع سدفة وهي الظلمة ( المدلهمة ) ، أي الشديدة السواد المهلكة ، وهي ظلمات العقول والنفوس الضالة عن الحق .
* * * وفي هذه الرّيح عذاب أي أمر يستعذبونه إذا ذاقوه إلّا أنّه يوجعهم لفرقة المألوف .
فباشرهم العذاب فكان الأمر إليهم أقرب مما تخيّلوه .
فدمّرت
كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ
[ الأحقاف : 25 ] وهي جثثهم الّتي عمّرتها أرواحهم الحقّيّة .
فزالت حقّيّة هذه النّسب الخاصّة وبقيت على هياكلهم الحياة الخاصّة بهم من الحقّ الّتي تنطق بها الجلود والأيدي والأرجل وعذبات الأسواط والأفخاذ .