تابعهم من المؤمنين بهم وبما هم عليه والمسلمون لهم ما هم فيه من غير تحكم عقلي ولا تصرف خيالي وهو قوله تعالى :
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ
[ الفتح : 29 ] الآية ، أي معه بالإيمان بما هو مؤمن به على حد ما هو مؤمن به وهو قول بلقيس :
وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
[ النمل : 44 ] ، ولو أسلمت لا مع سليمان لم تكن أسلمت بل نازعت بعقلها ونافست بنفسها ، فاعلم ما هو الإيمان والإسلام ، ولا يلتبس عليك بمجادلات أهل الكلام من حيث هم أهل الكلام ؛ ولهذا ذم السلف علم الكلام كالإمام الشافعي رحمة اللّه تعالى عليه وغيره .
وقولي : من حيث هم أهل الكلام إذ لا يلزم من ذم العلم أهله فإنه قد يكون عندهم لأجل رد الخصوم ورد المبتدعة لا للاعتقاد وكتعلم الفلسفة والسحر للرد لا للعمل .
( و ) القسم الثاني ( من الناس من يمشي ) في الدنيا ( على طريق يجهلها ) ، أي يجهل تلك الطريق ( ولا يعرف غايتها ) ، أي ما تنتهي إليه وما تنتجه ( وهي ) ، أي هذه الطريق المجهولة للماشي فيها ( عين الطريق ) الأولى ( التي عرفها الصنف الآخر ) الأوّل إذ الطريق واحدة لا يمكن تعددها ، لأن المقصود واحد وهو طلب الحق ونيل السعادة الأبدية به ، ولكنها اختلفت وتعددت باختلاف أحوال الماشين عليها والسالكين فيها ، والكل سالكون فيها . قال تعالى :
وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى
[ فصلت :
44 ] ، وقال تعالى :
يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً
[ البقرة : 26 ] ، فهو واحد حق ، وإن تفاوتت رتب المهتدين به والضالين به لتفاوت استعدادهم ( فالعارف ) بالطريق الحق ( يدعو إلى اللّه ) تعالى كل من قبل دعوته ( على بصيرة ) من ذلك الطريق .
قال تعالى :
قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي
[ يوسف :
108 ] ، فانظر كيف الاتباع يلحق بالمتبوع فيقتضي الشركة في البصيرة والدعوة عليها ، وما ضل من ضل إلا بادعائهم المتابعة وسلوكهم بعقولهم وأنظارهم ، وتصرفهم بخيالهم فيما أمر وبالإسلام له والإيمان به ( وغير العارف ) بالطريق الحق ، وإن كان ماشيا عليه إذ لا طريق غيره لكن لا يعرفه المعرفة الذوقية أو معرفة التصديق بها في أهلها ( يدعو إلى اللّه ) تعالى أيضا غيره من كان يقبل دعوته لكن ( على التقليد ) لغيره لا على البصيرة ( و ) على ( الجهالة ) لا على العلم الذوقي فهو الضال المضل واللّه يعلم المفسد من المصلح ، ( فهذا ) العلم المذكور هنا في شأن الحق والخلق وما الناس عليه فيهما من أحوال الطريق ( علم خاص ) لا يعرفه إلا العارفون ( يأتي ) إلى العارف ( من ) جهة ( أسفل سافلين ) وهو عالم الصور الجسمانية ( لأن الأرجل هي )