وهم معترفون بذلك لكن اعترافا غيبيا ولم يجروا على مقتضاه ، وهو الحق تعالى عبدوه معقولا وعرفوه متخيلا بخيالهم وأنكروه محسوسا وكفّروا من يقول بذلك ولم يؤمنوا بالكتاب كله واللّه يحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون .
( والطائفة الأولى ) المنقسمون إلى صنفين سالكين وواصلين ، الحق عندهم هو الظاهر في جميع المظاهر ، والخلق هو المعقول المضبوط من ظهوره سبحانه في المحسوس والمعقول ، فهم قد آمنوا بالكتاب كله وصدقوا بالحق مطلقا موجودا حقا على ما هو عليه في الأزل ولم يلتبس عليهم بما عقلوه من خلقه في المحسوس والمعقول فكانوا ( بمنزلة الماء العذب الفرات السائغ لشاربه ) الذي نزل من السماء وبقي على أصل وصفه لطيب الأرض التي وقع عليها فإنها تشربته ثم أخرجته منها على ما هو عليه في نفسه ، فكأنما ائتمنت على أمانة فأدتها على ما هي عليه ولم تخن فيها شيئا ، ولم تتصرف في شيء منها أصلا ، بخلاف الطائفة التي ذكرت قبل هذه فإنها ائتمنت فخانت ، وغيرت ما أودعته ، وتصرفت فيه بعقولها ، وخاضت بتخيلها .
* * * فالنّاس على قسمين : من النّاس من يمشي على طريق يعرفها ويعرف غايتها فهي في حقّه صراط مستقيم . ومن النّاس من يمشي على طريق يجهلها ولا يعرف غايتها وهي عين الطّريق الّتي عرفها الصّنف الآخر .
فالعارف يدعو إلى اللّه على بصيرة ، وغير العارف يدعو إلى اللّه على التّقليد والجهالة .
فهذا علم خاص يأتي من أسفل سافلين ، لأنّ الرّجل هي السّفل من الشّخص ، وأسفل منها ما تحتها وليس إلّا الطّريق .
فمن عرف أنّ الحقّ عين الطّريق عرف الأمر على ما هو عليه ، فإنّ فيه جلّ وعلا يسلك ويسافر إذ لا معلوم إلّا هو ، وهو عين السّالك والمسافر ، فلا عالم إلّا هو .
( فالناس ) في قسمة أخرى ( على قسمين ) فالقسم الأوّل من الناس ( من يمشي ) في الدنيا ( على طريق يعرفها ) ، أي يعرف تلك الطريق ( ويعرف غايتها ) ، أي ما ينتهي إليه أمر تلك الطريق وما تنتجه من السعادة الأبدية ( فهي ) ، أي تلك الطريق ( في حقه ) ، أي في حق هذا القسم ( صراط مستقيم ) ، أي واضح عنده غير معوج لأنه على بصيرة من أمره ، فإذا دعا إليها كانت دعوته على بصيرة كالأنبياء والأولياء ، ومن
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص — صفحة 405
مساهمون: عبد الغني ابن إسماعيل النابلسي
ص٤٠٥