خصوص الصور الإمكانية العدمية بالعدم الأصلي ( وليس العبد ) الذي لا يزال يتقرب بالنوافل كما ورد في الحديث « 1 » ، فهو يشهد ذلك عيانا في ظاهره وباطنه ( سوى هذه الأعضاء والقوى ) الواردة في الحديث من حيث هي موجودة مشهودة ، لا من حيث هي مسماة بالأسماء كاليد والرجل والسمع والبصر .
قال تعالى :
ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ
[ يوسف : 40 ] الآية . فما عبدوا من الأصنام إلا مجرد الأسماء لأنهم ما عرفوا منها إلا ذلك ولو عرفوها حق المعرفة لعرفوا اللّه تعالى الذي قامت بوجوده ، وكذلك ما عرفوا من نفوسهم إلا مجرد أسماء الأعضاء والقوى ، ولو عرفوا ذلك حق المعرفة لعرفوا اللّه تعالى ، فكان عين سمعهم وبصرهم ويدهم ورجلهم كما ورد في الحديث .
( فهو ) ، أي العبد على الحقيقة ( حق ) ، أي وجود مطلق قديم ( مشهود ) ، أي ظاهر يشهده كل أحد يعرفه أو يجهله أو ينكره ( في خلق ) من حيث الصور الإمكانية العدمية الظاهرة والباطنة ( متوهم ) وجوده ولا وجود له أصلا وسبب هذا التوهم غلبة النظر العقلي وسبب المعرفة غلبة النور الإيماني على العقل حتى يكون الدليل هو اللّه دون العقل إذا عرفت هذا .
( فالخلق ) المتوهم أمر ( معقول ) ، أي مدرك بالعقل ( والحق ) سبحانه وجود ( محسوس مشهود عند المؤمنين ) بالغيب من حيث هو غيب لا بما تصوّروا من ذلك الغيب وربطوا بعقولهم وهم السالكون في طريق اللّه تعالى ( و ) عند ( أهل الكشف ) الروحاني ( والوجود ) الحق وهم العارفون المحققون ( وما عدا ) ، أي غير ( هذين الصنفين ) من علماء الكلام وغيرهم من الفرق والعامة .
( فالحق ) سبحانه ( عندهم ) أمر ( معقول ) يعقلونه بعقولهم ويضبطونه في خيالهم وتطمئن نفوسهم إلى ذلك ، والعلماء منهم ينزهونه عن مشابهة المحسوسات وبقية المعقولات غيره ( والخلق ) عندهم ( مشهود ) لهم محسوس معقول ( فهم ) عند أهل الكشف والوجود في نظر أذواقهم ( بمنزلة الماء الملح الأجاج ) ، فإن الحق الظاهر بهم التبس عليهم بهم فغلبت صورهم الممكنة على وجوده المطلق فيهم ، فادعوا الوجود فتقيد المطلق عندهم بهم ، كالماء النازل من السماء إذا خالط الأرض فغيرته وأظهرته ملحا أجاجا ، ولهذا لما غاب عنهم منهم قائمون به في ظواهرهم وبواطنهم
هامش
( 1 ) الذي سبق تخريجه .