بمن ساقهم إلى ذلك واضطرهم إلى فعله مع علمهم بحكمه في الآخرة ، وإن كان ذلك العلم عندهم ظنا أو شكا أو جحودا بمقتضى ما قال ولقد وصلنا لهم القول فقامت عليهم حجته بمجرد وصول القول إليهم ( بحكم الجبر لهم ) على اختيارهم ذلك وإرادته فكان مآلهم ( إلى أن وصلوا إلى عين القرب ) الذاتي الذي فيه الكل أزلا وأبدا . قال تعالى :
( ونحن ) وهو كناية عن الوجود المطلق الظاهر بالممكنات العدمية ( أقرب إليه ) ، أي إلى امرئ بلغت روحه الحلقوم ، وأنتم حينئذ تنتظرون بلوغ روحه إلى ذلك ( منكم ) يا أيها الناظرون ( ولكن لا تبصرون ) أنتم هذا القرب المذكور ( وإنما هو ) ، أي ذلك الميت ( يبصر هذا ) القرب الذاتي ( فإنه ) ، أي ذلك الميت ( مكشوف الغطاء ) النفساني ، فإن الموت من أوصاف النفوس ، وكذلك الحياة ( فبصره ) ، أي ذلك الميت ( حديد ) ، أي قوي في التحقق بذلك ، ورؤية ذلك القرب وهو البصر الروحاني .
قال تعالى :
فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ
[ ق : 22 ] . ( وما خص ) تعالى بكشف الغطاء وحدة البصر ( ميتا من ميت ، أي ما خص سعيدا في القرب ) الذاتي المذكور ( من شقي ) فقربه تعالى إلى كل شيء القرب الذاتي على السواء وهو الظهور بالوجود بعد ترك دعواه . وقال تعالى أيضا :
( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ )
، أي إلى الإنسان
( مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ )
[ ق : 16 ] ، وهو العرق الذي يجري فيه الدم وتقوم به الحياة الدنيوية ( وما خص ) تعالى بهذا القرب ( إنسانا من إنسان ) بل عم الكل وهذا هو القرب الذاتي أيضا الذي هي عليه جميع الممكنات ، علمه من علمه وجهله من جهله ، فعالمه متنعم به دون جاهله في الدنيا ، ولا جهل به في الآخرة للكل ، فإذا غلب على أحد أوجب نعيمه في الدنيا أو الآخرة ، والقرب الآخر الاختصاصي وهو القرب الاسمائي حاصل في الدنيا لأهل الوصول ولأهل الجنة خاصة في الآخرة ، ولا ذوق لأهل النار فيه أصلا لا دنيا ولا آخرة وهو قوله تعالى :
ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى 8 فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى
( 9 ) [ النجم : 8 - 9 ] ؛ ولهذا وقع فيه التشبيه بقاب القوسين بخلاف القرب الأوّل الذاتي ، فإنه لا تشبيه فيه أصلا لاقتضاء الفناء عن الوجود المشهود والرجوع إلى الثبوت المعهود .
( فالقرب ) الذاتي ( الإلهي ) المذكور هنا للّه تعالى ( من العبد لا خفاء به ) أصلا ( في الأخبار الإلهية ) الواردة على ألسنة المرسلين . ثم شرع في بيانه فقال : ( فلا قرب أقرب من أن تكون هويته ) ، أي ذاته يعني وجوده تعالى المطلق الذي قام به كل شيء ( عين أعضاء العبد ) وعين ( قواه ) من حيث الظهور والوجود مع قطع النظر عن