ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول : « هل من مستغفر فاغفر له » الحديث « 1 » . فما قال ذلك إلا الرب لا غيره من الأسماء ، فإذا عمل أهل الجنة للجنة ، وأهل النار للنار كانت أعمالهم عين ما هو جزاؤهم إذا انقلبوا بالموت من دعوى وجودهم إلى حضرة ثبوتهم ، فأهل الجنة يتنعمون في الجنة برؤية ربهم زيادة على نعيم الجنة بحسب أعمالهم الصالحة ، وأهل النار يتعذبون بالنار بحجابهم عن ربهم زيادة على عذابهم بالنار بحسب أعمالهم القبيحة ، فنعيم الرؤية لأهل الجنة نعيم روحاني ونعيم الجنة نعيم جسماني ، وعذاب الحجاب لأهل النار عذاب روحاني ، وعذاب النار عذاب جسماني ، والفريقان لهم لذة ذوقية بمقام القرب الذاتي الإلهي يكونون فيه باطنا من حين زوال الحياة الدنيا إلى الأبد ، وأهل النار لا يزالون في الآخرة يتعذبون و
كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ
[ النساء : 56 ] ، وهو مع ذلك يمدهم من هذا المقام الذاتي بلذة القرب ، ولهذا يحتملون ما يقاسونه من ألم العذاب في النار ما لولاه لذابوا في أقل قليل ، وهم فيها يصطرخون وينادون :
يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ
، فيقول لهم :
إِنَّكُمْ ماكِثُونَ
[ الزخرف : 77 ] ، حتى يضع الجبار قدمه في النار كما ورد في الحديث وينزوي بعضها إلى بعض وتقول : قط قط « 2 » . وهذا كناية عن غلبة القرب الذاتي عليهم الذي فيه الكل ورسوخهم فيه ، فعند ذلك يحصل في أذواقهم ما صرح به الشيخ المصنف قدس اللّه سره في هذا الكتاب وغيره من كتبه من اللذة بالعذاب مع بقاء عينه عذابا مؤلما موجعا ، وهذا البيان من فتوح الوقت والحمد للّه على إنعامه ( من جهة المنة ) ، أي الفضل الإلهي عليهم كما هو حال نعيم أهل الجنة ، قال صلّى اللّه عليه وسلم : « لن يدخل أحدكم الجنة بعلمه قالوا : ولا أنت يا رسول اللّه قال :
ولا أنا إلا أن يتغمدني اللّه برحمته » « 3 » وهذا عين الفضل .
( وإنما أخذوه ) ، أي أخذ أهل النار هذا المقام الذوقي اللذيذ ( بما استحقته حقائقهم ) ، أي حقائق نفوسهم وهي حضرات أمر ربهم القائم عليهم بما كسبوا في
هامش
( 1 ) رواه البخاري في صحيحه ، في أبواب عدة منها ، باب الدعاء والصلاة . . ، حديث رقم ( 1094 ) [ 1 / 384 ] ورواه مسلم في صحيحه في بابين أحدهما : باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل . . ، حديث رقم ( 758 ) [ 1 / 521 ] ورواه غيرهما .
( 2 ) رواه البخاري في صحيحه في أبواب عدة منها : باب قوله :وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ[ ق : 30 ] ، حديث رقم ( 4567 ) [ 4 / 1835 ] ومسلم في صحيحه في أبواب عدة منها : باب النار يدخلها الجبارون . . ، حديث رقم ( 2846 ) [ 4 / 2186 ] ورواه غيرهما .
( 3 ) رواه الطبراني في الأوسط ، من اسمه محمد ، حديث رقم ( 6553 ) [ 6 / 332 ] ورواه غيره بألفاظ أخرى متقاربة .