محبوبه وهو اللذة العشقية التي تحصل بعذاب المحبوب له ، فقد طلب العذاب من محبوبه لتحصل له لذة العذاب بسبب ما عنده من المحبة ، وأهل النار إذا دخلوا إليها وعذبوا بعذابها لا يخفف عنهم من عذابها شيئا إلى ما لا نهاية له وهو الخلود في حق الكافرين ، فهم محجوبون عن ربهم الذي هم قائمون به في أطوار وجودهم وهي الحضرة الاسمائية الإلهية كما قال تعالى :
إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ
[ المطففين :
15 ] ، وموتهم من هذه الحياة الدنيا كشف عن غطائهم ، أي غطاء نفوسهم المربوبة بربهم فزالت نفوسهم واختفى عنهم ربهم فانحجبوا عنه ، وانكشفت لهم الهوية الذاتية التي تغني كل من شاهدها ، فلهم بها نعيم القرب واللذة التي هي عين فنائهم عما هم فيه من عذاب الكفر ، وهذا الفناء ذوقي لا عيني فيجده الذائق ، ولا يحس به المعاين ، فهم في العذاب ظاهرا ، والحجاب عن ربهم خالدون مخلدون في النار والزمهرير ، لأن ربهم الذي هم محجوبون عنه في الآخرة ظهر بهم في الدنيا بأنواع الضلالات والكفر والجرائم وهم لا يشعرون ، وزين لهم أعمالهم ، فلما ماتوا زالوا عن دعوى الوجود التي كان فيها الكل ، قد ذاقوا نعيم الفناء الذي هو عين القرب إليه تعالى ، كما ذاقه العارفون في الدنيا ، فإذا ردوا بعد موتهم إلى تخيل وجودهم في عالم البرزخ وقع الحجاب لهم عن ربهم الذي أعطاهم عين ما اتصفت به نفوسهم ، فتعذبوا بعذاب النار على الجرائم التي كان بسبب اتصافهم بها عين حجابهم عن ربهم ، وهم في الآخرة في جهنم أبد الآبدين ، عذابهم من جهة حجابهم عن ربهم ، ونعيمهم من جهة فنائهم الذي يرجعون فيه إلى أعيانهم الثابتة في الحضرة العلمية ، وهي لذة أهل الجنة أيضا ، وكل ميت من حين الموت إلى الأبد كذلك ، ولأهل الجنة زيادة على ذلك لذة الرؤية لربهم الذي حجب عنه الكافرون وكما ذكرنا .
قال تعالى :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ 22 إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ
( 23 ) [ القيامة : 22 - 23 ] .
وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا » فالموت يقتضي كشف غطاء دعوى الوجود ، وفيه لذة زوال تعب دعوى الوجود ، وهي اللذة التي ستصحب أهل النار بل أهل الآخرة كلهم ، وإن كانوا يحيون بالحياة الأخروية الأبدية ، فإنها غير الحياة الدنيوية الوهمية .
والحاصل أن التكليف بالأعمال في الدنيا إنما كان من حضرة الربوبية التي أشهدت كل إنسان على نفسه بالإقرار لها في قوله تعالى :
وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى
[ الأعراف : 172 ] ، ثم إن هذه الحضرة جاءت منها المرسلون إلى الخلق يكلفونهم بمقتضى ما أخذ عليهم من الميثاق ، ولهذا قال عليه السلام : « ينزل