( المقام الذي ساقهم إليه ) وهو جهنم وكان سوقهم منه تعالى إليه ( بريح الدبور ) وهي التي تهب من مغرب الشمس وكانت دبورا لأنها على إدبار النهار واختفاء الشمس ، وتدل فيهم على أدبار أحوالهم واختفاء شمس الأحدية الإلهية تحت أراضي نفوسهم وانحجابها عنهم بهم وهذا من قوله تعالى :
فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ 24 تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها
[ الأحقاف : 24 - 25 ] ولذا قال ( التي أهلكهم ) أي اللّه تعالى ( عن نفوسهم بها ) أي تلك الريح وهو عين الدمار ( فهو ) ، أي اللّه تعالى ( يأخذ بنواصيهم ) ، لأنه مالكهم ( والريح ) الدبور التي تدمرهم بإذن ربها ( تسوقهم وهي ) ، أي تلك الريح ( عين الأهواء ) النفسانية ( التي كانوا عليها ) في الحياة الدنيا كنى عنها بريح الدبور ، لأنها نشأت فيهم من أجل احتجابهم عن شمس أحدية الحق تعالى كما تنشأ ريح الدبور عن غيبة الشمس وحركة غروبها في جهة المغرب ( إلى جهنم وهي البعد ) عن اللّه تعالى ( الذين كانوا ) أي المجرمون ( يتوهمونه ) بحضورهم مع الأغيار ولا أغيار .
( فلما ساقهم ) اللّه تعالى ( إلى ذلك الموطن ) الذي يتوهمونه على خلاف ما هو عليه ( حصلوا في عين القرب ) الذي هم عليه في نفس الأمر في غير شعور منهم ( فزال ) عنهم ( البعد ) الذي كانوا يتوهمونه بحكم المغايرة المجعولة فيهم بأهواء نفوسهم مع أنها عين أخذه تعالى بنواصيهم ، وعين سوقه لهم بتلك الأهواء المكنى عنها بالريح ( فزال ) من زوال البعد عنهم ( مسمى جهنم في حقهم ) ، أي المجرمين يعني من جهة أذواقهم لا في حق غيرهم ممن يراهم في جهنم ( ففازوا بنعيم القرب ) من اللّه تعالى ( من جهة الاستحقاق ) بحكم العدل الإلهي ( لأنهم ) ، أي هؤلاء المذكورين ( مجرمون ) ، أي أصحاب جرائم ، وهي الذنوب ، وأكبر الذنوب الكفر والشرك ( فما أعطاهم هذا المقام الذوقي ) الذي هو في أذواقهم فقط لا في ظواهرهم ( اللذيذ ) من جهة ما هو وجيع وأليم كضرب المحبوب لمحبه ضربا وجيعا من جهة ما هو ضرب ، وفيه اللذة للمحب إذا انكشف له محبوبه ، وأنه هو الضارب له من جهة أخرى ذوقية لا يعرفها إلا المحب العاشق .
قال أبو يزيد البسطامي قدس سره :
وكل مآربي قد نلت منها سوى * ملذوذ وجدي بالعذاب « 1 »
فقد أخبر أنه نال من محبوبه جميع مقاصده إلا مقصدا واحدا لم ينله فطلبه من
هامش
( 1 ) أحد بيتين نسبتا أيضا للحسين بن منصور الحلاج المولود سنة 244 ه والبيت الثاني هو :أريدك لا أريدك للثواب * ولكن أريدك للعقاب