( ويده التي يبطش بها ) إذا بطش ( ورجله التي يسعى بها ) إذا سعى ( فذكر ) تعالى ( أن هويته ) ، أي ذاته المطلقة ( عين الجوارح ) ، أي الأعضاء الإنسانية ( التي هي عبد العبد ) مع قطع النظر عن صورة الجوارح المسماة باليد والرجل والسمع والبصر ، فإنها ممكنات عدمية بالعدم الأصلي وظهورها موجودة إنما هو بمحبة اللّه تعالى لذلك العبد الغافل المحجوب بحجاب نفسه ، وكونه سبحانه عينها كلها ، ولكن ذلك العبد غير عالم بذلك وغير ملتفت إليه لكفرانه نعمة ربه ، بسبب عدم تقربه إليه تعالى بالأعمال الصالحة ، ليعرف ربه بذلك ويطلعه على ما هو معامله به .
( فالهوية ) الإلهية ( واحدة ) من حيث هي ( والجوارح ) في العبيد ( مختلفة ) كثيرة ( ولكل جارحة ) في كل عبد عارف ( علم من علوم الأذواق ) المختصة بها الأولياء ميراثا عن الأنبياء عليهم السلام ( يخصها ) ، أي يخص ذلك العلم تلك الجارحة من جوارح ذلك العبد حاصل ذلك العلم لتلك الجارحة ( من عين ) إلهية ( واحدة تختلف ) تلك العين الواحدة في ظهورها وتجليها بمجموع ذلك العبد الذي هو آثارها ( باختلاف الجوارح ) من ذلك العبد ( كالماء ) الذي ينزل من السماء ( حقيقة واحدة ) لا يختلف في نفسه وإنما ( يختلف في الطعم باختلاف البقاع ) جمع بقعة ، أي الأماكن التي يكون فيها من الأرض ( فمنه ) ماء ( عذب ) ، أي حلو ( فرات ) ، أي صاف خفيف ( ومنه ) ماء ( ملح أجاج ) ، أي مر ، وينزل الماء أيضا في الأواني المختلفة المقدار ، وفي الزجاجات المختلفة الألوان ، فيختلف مقداره بهيئة الإناء ويختلف لونه بلون الزجاجة ( وهو ) ، أي الماء ( ماء في جميع ) هذه ( الأحوال ) لا يتغير أصلا ( عن حقيقته ) الواحدة التي هو عليها في نفسه ( وإن اختلفت طعومه ) باختلاف بقاع الأرض وتفاوت منابعه واختلفت مقاديره وهيئاته باختلاف أوانيه واختلفت ألوانه باختلاف زجاجاته .
قال تعالى :
وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً
[ الأعراف : 58 ] ، وهكذا أحوال علوم أهل اللّه تعالى علوم الأذواق المختصة بهم ، تكون فيهم على حسبهم وعلى مقدار مراتبهم في القرب إليه سبحانه ، وإن كانت كلها من عين واحدة بل هي العين الواحدة .
* * * وهذه الحكمة من علم الأرجل وهو قوله تعالى في الأكل لمن أقام كتبه
وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ
[ المائدة : 66 ] .
فإنّ الطّريق الّذي هو الصّراط هو للسّلوك عليه والمشي فيه ، والسّعي لا يكون إلّا بالأرجل .