السلطان في جميع الحواس الظاهرة والباطنة ، وخص ناصيته لأنها موضع الحبال في الحيوان ، ثم إذا أريد العموم في غير الحيوان أيضا من كل شيء قصد التشبيه فيما هو بمنزلة الرأس له والناصية ، وأيضا فإنه لما ذكر الدابة وأريد عمومها في جميع الكائنات كما سيأتي ذكر الناصية ، لأن من عادة الدواب أن تؤخذ من نواصيها وتساق حيث يريد صاحبها
( إِنَّ رَبِّي )
الذي أشهده في مقام أحديته وهو ما كنى عنه بقوله هو وأتى بالهوية الذاتية المطلقة
( عَلى صِراطٍ )
، أي طريق واضح
( مُسْتَقِيمٍ )
[ هود : 56 ] غير ذي عوج ، وهو الذي أنزله سبحانه على نبينا صلّى اللّه عليه وسلم وسماه القرآن ، أي المجموع من القرء وهو الجمع ، لأنه جامع من حيث هو ممسك كل حقيقة كونية ومجموع بها من حيث هي حقيقة في نفسها ، لأنه عينها بالوجود وهي غيره بالصورة قال تعالى :
قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ
[ الزمر : 28 ] .
( فكل ماش ) على أرض وجوده من الأشياء الممكنات ( فعلى صراطه ) ، أي طريق الرب سبحانه ( المستقيم ) الذي لا اعوجاج فيه ، لأنه عين إرادته القديمة توجه على الأعيان الممكنة ، فمشى عليه بذاته ومشت الأعيان الممكنة أيضا عليه بذواتها ، فهو صراط سبق مشيه فيه على الاستقلال ، وهي مشت فيه بحكم التبعية له سبحانه ، لأنه آخذ بنواصيها ( فهم ) ، أي المغضوب عليهم من الممكنات ، والضالون منهم ( غير مغضوب عليهم من هذا الوجه ) الذي به مشوا على صراط الإرادة ( ولا ضالون ) ، لأنهم مشوا بحكم التبعية للماشي بالاستقلال ، فهو مستقيم في مشيه ذلك ، وهم كذلك مستقيمون بهذا الاعتبار ( فكما كان الضلال ) الذي اتصف به من اتصف ( عارضا له ) في الحياة الدنيا على أصل خلقته وفطرته ( كذلك الغضب الإلهي ) المتصف به سبحانه على من غضب عليهم ( عارض ) أيضا ظهور اتصافه به عندنا وإن كان هو أيضا من جملة الحضرات الإلهية القديمة ، لكن ظهوره إنما هو بظهور الأحوال في العبد المقتضية لظهوره والأحوال في العبد المقتضية لظهوره ، خلاف الأصل من العبد ، فكذلك هو في الحضرات الإلهية خلاف الأصل من الحق .
( والمآل ) ، أي المرجع للكل بعد زوال خلاف الأصل من الطرفين : طرف العبد وطرف الرب وهو المسمى بالعارض ( إلى الرحمة التي وسعت كل شيء ) وهو الوجود المطلق ، وحيث وسعت كل شيء ، فكل شيء فيها عينها ، وقد انمحت الصور التي تتمايز الأشياء في نفسها بحكم قوله سبحانه :
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
[ القصص : 88 ] ، ولم يسعها شيء أصلا ، ولهذا تعددت ، فالعارض الذي أطلق على ضلال العبد وغضب الرب راجع إلى الصورة الممكنة العدمية ، لأنها تعرض للوجود المطلق فتقيده ، والقيد منه عين غضبه ، وتعطي الممكن وجودا بجهلها الأصلي