تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص — صفحة 388

مساهمون:

ص٣٨٨
وحتّى تعلم من أين ومن أيّ حقيقة اتّصف الحقّ بالغنى عن النّاس والغنى عن العالمين ، واتّصف العالم بالغنى أي بغنى بعضه عن بعض من وجه ( * ) ما هو عين ما افتقر إلى بعضه به . فإنّ العالم مفتقر إلى الأسباب بلا شكّ افتقارا ذاتيّا . وأعظم الأسباب له سببيّة الحقّ . ولا سببيّة للحقّ يفتقر العالم إليها سوى الأسماء الإلهيّة . والأسماء الإلهيّة كلّ اسم يفتقر إليه من عالم مثله أو عين الحقّ . فهو اللّه لا غيره ، ولذلك قال :
* يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
( 15 ) [ فاطر : 15 ] . ومعلوم أنّ لنا افتقارا من بعضنا إلى بعضنا فأسماؤنا أسماء اللّه تعالى إذ إليه الافتقار بلا شكّ . وأعياننا في نفس الأمر ظلّه لا غيره ، فهو هويّتنا لا هويّتنا . وقد مهّدنا لك السّبيل فانظر . ( وحتى تعلم ) أيضا يا أيها السالك ( من أين ) ، أي من أي ذات مطلقة وجودية وهي الذات العلية ( أو من أي حقيقة ) ، أي حضرة جامعة للذوات والأسماء كما مر . ( اتصف الحق ) تعالى ( بالغنى عن الناس ) بالخصوص كما قال تعالى : و
( اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ )
[ الزمر : 7 ] . ( و ) بوصف ( الغنى ) ( ) - أيضا ( عن العالمين ) بالعموم كما قال اللّه تعالى : و
آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ
[ آل عمران : 97 ] من جهة أن النور الذي امتد به ظل الشخص عين الكمال وعين الغنى ، فلا يتصوّر منه افتقار أصلا إلى ظلمة الظل ، وكذلك الشخص من الوجه الذي يلي النور لا افتقار له أصلا إلى الظل بل الظل مفتقر إليه من هذا الوجه وإلى النور ليظهر عنهما كما قدمناه وافتقار الشخص من الوجه الذي يلي الظل إلى ظهور الظل عنه بوجهه الأوّل ، فهو عين افتقار المؤثر من حيث اسمه مؤثرا إلى الأثر من حيث هو أثر لأجل امتياز الإلهية بعضها عن بعض ، فإنه لا يميزها إلا الآثار كما مر ، فهو افتقار نسبي وهو عين ما سبق ما افتقار بعض ما سوى اللّه تعالى إلى بعض ، وهو أيضا ما يأتي من غنى بعض العالم عن بعض ، فإن المفتقر من كل ما سوى اللّه قائم باسم إلهي ، والمستغني أيضا قائم باسم آخر إلهي ، فيظهر الافتقار والاستغناء لتمييز الحضرات الاسمائية بعضها عن بعض .