( وإن قلت إنه ) ، أي ذلك النور ( ليس بأخضر ولا ) هو بنور ( ذي ) ، أي صاحب ( لون ) من الألوان أصلا ( لما ) ، أي على مقتضى الوصف الذي ( أعطاه لك الدليل ) بأن النور لا لون له أصلا وهو منزه عن جميع الألوان ( صدقت ) في ذلك ( وشاهدك ) على صدق قولك ( النظر ) ، أي الدليل ( العقلي ) ، أي المنسوب إلى العقل ( الصحيح ) الذي لا شبهة فيه أصلا وذلك أن النور لو كان له لون يخصه لما قبل أن يظهر في ألوان الزجاج على مقتضى ما هي عليه تلك الألوان في نفسها وهو ظاهر كذلك من غير أن يغير من لون الزجاج شيئا مع تضاد تلك الألوان وعدم مناسبة بعضها لبعض وعدم المشابهة بينها ، فإن اللون الأسود غير اللون الأحمر والأصفر والأزرق والأخضر وغير ذلك . فلا لون للنور من حيث هو أصلا ولو كان له لون في نفسه على ما هو عليه لغير شيئا من ألوان الزجاج حين ظهوره ومصبوغا به إذا علمت ما ذكر .
( فهذا ) ، أي شعاع الشمس الذي هو ظل عنها ( نور ممتد عن ظل ) أيضا ( هو ) ، أي ذلك الظل ( عين الزجاج ) الملون فقد امتد النور الذي هو نور الشمس مثلا وهو شعاعها عن الشمس فهو ظل الشمس وعن عين الزجاج الملوّن أيضا فهو ظل عين الزجاج الملون ( فهو ) أي ذلك النور الممتد على عين الزجاج الملون ( ظل نوري ) على ما هو عليه في نفسه لا لون له أصلا وإن تلوّن بلون الزجاج ( لصفائه ) في نفسه مع قطع النظر عن لون الزجاج .
( كذلك ) ، أي مثل ما ذكر من ضرب المثال الإنساني ( المتحقق منّا ) معشر المحققين ( بالحق ) تعالى ، فإنه ( تظهر ) له ( صورة الحق ) تعالى ( فيه ) وهو الوجود المطلق المنزه عن مشابهة كل ما عداه ( أكثر مما تظهر ) ، أي من ظهورها ( في غيره ) ، أي غير ذلك المتحقق من جميع السالكين والعارفين وأما المنقطعون فلا ظهور للحق تعالى فيهم لهم أصلا وإن صدقوا لوجدوه وعبدوه في صورة تخيلاتهم فإنهم غافلون عن ظهوره لهم بهم .
( فمنا ) ، أي معشر المحققين ( من يكون ) وجود ( الحق ) ( ) - تعالى ( سمعه ) الذي يسمع به ( وبصره ) الذي يبصر به ( وجميع قواه ) الباطنة ( وجوارحه ) الظاهرة كيده ورجله ( بعلامات ) عنده ( قد أعطاها له الشرع ) المحمدي ( الذي يخبر عن الحق تعالى ) وهو التقرب بنوافل الأعمال إلى حضرة ذي الجلال بوصف الإخلاص والرغبة والإقبال . قال صلّى اللّه عليه وسلم في حديثه القدسي : « ما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص — صفحة 380
مساهمون: عبد الغني ابن إسماعيل النابلسي
ص٣٨٠