فهذا نور ممتدّ عن ظلّ وهو عين الزّجاج فهو ظلّ نوريّ لصفائه .
كذلك المتحقّق منّا بالحقّ تظهر صورة الحقّ فيه أكثر ممّا تظهر في غيره .
فمنّا من يكون الحقّ سمعه وبصره وجميع قواه وجوارحه بعلامات قد أعطاها الشّرع الّذي يخبر عن الحقّ .
ومع هذا عين الظّل موجود ، فإنّ الضّمير من سمعه يعود عليه .
وغيره من العبيد ليس كذلك فنسبة هذا العبد أقرب إلى وجود الحقّ من نسبة غيره من العبيد .
( وفي هذا ) العرفان ( تتفاضل العلماء ) باللّه سبحانه ( فعالم ) باللّه ( و ) آخر ( أعلم منه ) باللّه . قال تعالى :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
[ فاطر : 28 ] ، أي باللّه .
وقال عليه السلام لأصحابه رضي اللّه عنهم : « أنا أعلمكم باللّه وأكثركم منه خشية » « 1 » ( فالحق ) سبحانه ( بالنسبة إلى ظل ) شيء ( خاص ) امتد ذلك الظل الوجودي المسمى أمرا ووجها على ذلك الشيء الخالص وهو عين ممكنة معدومة بالعدم الأصلي ( صغير ) ذلك الشيء الخاص كالذرة ( وكبير ) كالجبل ( وصاف ) ، أي لطيف كالنفوس الحيوانية وقواها المنبثة في الأجسام ( وأصفى ) كالأرواح والعقول المجردة ( كالنور ) ، أي بمنزلة شعاع الشمس مثلا ( بالنسبة إلى حجابه ) ، أي حجاب ذلك النور الذي هو الشعاع ( عن ) عين ( الناظر ) إليه حجابا حاصلا ( بالزجاج ) الأحمر أو الأخضر وغير ذلك .
( فإنه يتلوّن ) ذلك النور ( بلونه ) ، أي بلون ذلك الزجاج في نظر الحس عند الناظر ( وفي نفس الأمر ) مع عدم اعتبار نظر الحس عند الناظر ( لا لون له ) ، أي لذلك النور الظاهر أصلا ( ولكن هكذا ) ، أي على حسب ألوان الزجاج ( تراه ) ، أي ترى النور الظاهر بلون الزجاج يا أيها الإنسان ( ضرب ) مفعول ثان لتراه ( مثال لحقيقتك ) يا أيها الإنسان في ظاهرك وباطنك مع جميع أحوالك القائمة ( بربك ) الحق سبحانه وتعالى .
( فإن رأيته ) كذلك ومع ذلك ( قلت إن النور ) الظاهر لك بلون الزجاج ( أخضر ) مثلا ( كخضرة الزجاج صدقت وشاهدك ) على صدق قولك ( الحس ) ، أي نظر العين منك ومن غيرك .
هامش
( 1 ) رواه البخاري في صحيحه بلفظ : « إن أتقاكم وأعلمكم باللّه أنا « باب قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « أنا أعلمكم باللّه » ، حديث رقم ( 20 ) [ 1 / 16 ] .