غيرهم من الناس الذي لم يكن ذلك عن تعمد منهم كما قال عليه السلام « رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه » « 1 » فليست ذنوبا صغائر ولا كبائر وإنما هي صور الذنوب فقط .
قال تعالى :
وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ
[ البقرة : 225 ] ، وأما غير الأنبياء عليهم السلام إذا صدرت منهم الذنوب فإن الشيطان يستعمل فيها حقائقهم الإنسانية مع أعضائهم الجسمانية فتكون ذنوبا من الصغائر والكبائر وكون الشيطان نفس الكيد ، لأنه قوّة نارية اتصلت بأجسام النبيين فحفظ اللّه تعالى منها إنسانيتهم وعصمها فلم يصدر عنها ذنب أصلا وإنما صدر ذلك من الشيطان باستعمال أجسامهم كما ورد أن اللّه سلط الشيطان على جسد أيوب عليه السلام وحفظ قلبه ، فكان البلاء في جسده دون قلبه ، وفي آدم عليه السلام حتى أكل من الشجرة فأهبط اللّه تعالى جسده إلى الأرض بسبب عصيانه الصوري ، وهو في الحقيقة عصيان الشيطان العصيان الحقيقي ، وقلب آدم عليه السلام الذي هو إنسانية المكلفة لم تبرح من حضرة الحق تعالى كباقي النبيين عليهم السلام ، وهي المعصومة دون غيرهم من الناس ، فإن التكليف واقع من اللّه تعالى على الإنسانية المتصلة بالجسد لا على الجسد ، ونظير هذا قصة الغرانيق التي وقعت لنبينا صلّى اللّه عليه وسلم وأنزل اللّه تعالى فيها قوله سبحانه :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ
[ الحج : 52 ] ، الآية . أرأيت أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم سحر وأخذ عن زوجته وكان يخيل له أنه فعل الشيء ولم يكن فعله ، والسحر استعمال الشياطين ، فكان ذلك في جسد النبي دون قلبه وأنزل اللّه عليه المعوّذتين في شأن ذلك ولا ينافي هذا قول علماء الكلام إن الأنبياء معصومون من الصغائر والكبائر عمدها وخطئها ، فإن هذا ليس من الذنوب بالنظر إلى الأنبياء عليهم السلام أصلا ، وإن صدر على خواطرهم ، فإنه من عمل الشيطان كما قال تعالى حكاية عنهم وليس من عملهم ، ولعل للأنبياء عليهم السلام في حالة صدور ذلك عنهم حالة نفسانية خصوصية يعرفونها نظير الخطأ أو النسيان فينا ، فالنائم إذا رأى في منامه أنه فعل ذنبا فإنه ليس بذنب أصلا ، ويؤيده قوله تعالى :
وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ
[ طه : 115 ] ، فقد سمى تعالى تلك الحالة نسيانا ولا
هامش
( 1 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 1393 ) [ 1 / 522 ] وأورده السيوطي في التفسير بلفظ : « رفع اللّه عن هذه الأمة الخطأ والنسيان والأمر يكرهون عليه » . وعزاه إلى ابن عدي في الكامل وأبي نعيم في التاريخ . وروي الحديث بألفاظ أخرى متقاربة منها : « وضع اللّه عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه » .