المتشعبة في الجسم التي هي شعاع ذلك الروح الإنساني ، فتفيض ما أفاضته في الصور الطبيعية فتزول المعاني في الصور الطبيعية ، هو القدر المشترك بين حالة النائم وهذه الحالة ، والفرق بينهما من جهة المبدأ الفياض ؛ ولهذا ورد في الحديث :
« أن رؤيا المسلم جزء من خمسة وأربعين جزءا من النبوّة » « 1 » .
وفي رواية : « الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوّة » « 2 » .
* * * وكذلك إذا تمثّل له الملك رجلا فذلك من حضرة الخيال فإنّه ليس برجل وإنّما هو ملك فدخل في صورة إنسان فعبّره العارف حتّى وصل إلى صورته الحقيقيّة ، فقال هذا جبرئيل أتاكم يعلّمكم أمر دينكم . وقد قال لهم ردّوا عليّ الرّجل فسمّاه بالرّجل من أجل الصّورة الّتي ظهر لهم فيها . ثمّ قال : هذا جبرئيل فاعتبر الصّورة الّتي مآل هذا الرّجل المتخيل إليها فهو صادق في المقالتين : صدق العين في العين الحسيّة ، وصدق في أنّ هذا جبرئيل فإنّه جبريل بلا شكّ .
( وكذلك ) ، أي مثل ما ذكر ( إذا تمثل له الملك ) الذي يوحي إليه ( رجلا ) ، أي في صورة رجل كما كان يأتيه صلّى اللّه عليه وسلم جبريل عليه السلام في صورة دحية الكلبي وفي صورة أعرابي ( فذلك ) التمثل ( من حضرة الخيال ) أيضا ( فإنه ) ، أي الملك المتمثل ( ليس برجل ) من بني آدم ( وإنما هو ملك ) من الملائكة ( فدخل ) ذلك الملك ( في صورة إنسان ) فالحقيقة الروحانية للملك والإنسانية فيه خيالية ( فعبره الناظر ) إلى تلك الصورة الإنسانية ( العارف ) بذلك التمثيل يعني جاوز من تلك الصورة الإنسانية ( حتى وصل إلى صورته ) ، أي صورة ذلك الملك ( الحقيقية ) التي هو عليها في نفسه .
والحاصل أن الأرواح سواء كانت ملكية أو إنسانية أو جنية أو شيطانية أو حيوانية أو غير ذلك قابلة للتشكل والدخول في أي صورة شاءت من الصور ، غير أن تلك القابلية فيها إما بالفعل كالأرواح الملكية والجنية والشيطانية وبعض الإنسانية ، أو بالقوّة كالأرواح الحيوانية وغيرها ، وكل هذا بواسطة القوّة المتخيّلة ووجود عالم
هامش
( 1 ) رواه مسلم في صحيحه ، كتاب الرؤيا ، حديث رقم ( 2263 ) [ 4 / 1773 ] ورواه ابن حبان في الصحيح ، كتاب الرؤيا ، حديث رقم ( 6040 ) [ 13 / 404 ] ورواه غيرهما .
( 2 ) رواه البخاري في صحيحه ، باب الرؤيا الصالحة . . ، حديث رقم ( 6584 ) [ 6 / 2563 ] والنسائي في السنن الكبرى ، ما يقول إذا رأى في منامه ما يكره ، حديث رقم ( 10740 ) [ 6 / 225 ] ورواه غيرهما .