الخيال واتصاله بعالم الأرواح في الكل ، والوحي يكون بتجريد النبي عن صورته الحسية الخيالية ودخوله في صورة ملكية خيالية أخرى ، وهو حال غيبته عن الحاضرين عنده ، أو بتجريد الملك عن صورته الخيالية ونزوله في الصورة الحسية الخيالية الإنسانية ، وهو مجيئه في صورة دحية الكلبي أو صورة الأعرابي والصور كلها خيالية في الملأ الأعلى والأدنى ، والحقائق كلها روحانية في الأعلى والأدنى أيضا ، فكل ما هو غير الحق تعالى عالم روحاني له قوّة خيال يظهر بها في كل صورة إما بالفعل أو بالقوّة ( فقال ) عليه السلام عند ذلك التعبير لهم عنه كما يعبر لهم رؤيا المنام بصورة غير صورة ما رأوا ( هذا ) ، أي الرجل الذي رأيتموه ( جبرائيل ) عليه السلام ( أتاكم ) في عالم منامكم الذي هو يقظتكم في الدنيا ( يعلمكم دينكم ) بسؤاله للنبي صلّى اللّه عليه وسلم على حسب ما ورد في بقية الحديث ( وقد قال ) ، أي النبي صلّى اللّه عليه وسلم ( لهم ردوا عليّ الرجل فسماه ) ، أي الملك ( بالرجل من أجل الصورة التي ظهر لهم ) ذلك الملك ( فيها ثم قال ) صلّى اللّه عليه وسلم ( هذا جبرائيل ) عليه السلام ( فاعتبر الصورة ) الجبرائيلية ( التي مآل ) ، أي مرجع ( هذا الرجل المتخيل ) لهم في التأويل ( إليها فهو ) صلّى اللّه عليه وسلم ( صادق في المقالتين صدق ) في المقالة الأولى ردوا عليّ الرجل ( العين ) التي ظهر بها الملك له ولهم في صورة الرجل ( في العين الحسية ) الباصرة ، فإنها لا ترى إلا الصورة المحسوسة ( وصدق في أن هذا جبرائيل ) عليه السلام في عين القلب التي هي البصيرة العارفة بذلك ( فإنه ) ، أي ذلك الرجل ( جبرائيل ) عليه السلام ( بلا شك ) في نفس الأمر فقد أوفى عليه السلام كل عين حقها وأعطى كل عالم مقتضاه وهو الكمال المطلوب .
* * * وقال يوسف عليه السّلام :
إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ
[ يوسف : 4 ] ، فرأى إخوته في صورة الكواكب ، ورأى أباه وخالته في صورة الشّمس والقمر . هذا من جهة يوسف ولو كان من جهة المرئي لكان ظهور إخوته في صورة الكواكب وظهور أبيه وخالته في صورة الشّمس والقمر مرادا لهم . فلمّا لم يكن لهم علم بما رآه يوسف كان الإدراك من يوسف في خزانة خياله وعلم ذلك يعقوب حين قصّها عليه فقال :
يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ
[ يوسف : 5 ] .
ثمّ برّأ أبناءه عن ذلك الكيد وألحقه بالشّيطان ، وليس إلّا عين الكيد فقال :