( كان الأمر ) من اللّه تعالى للمكلفين على ألسنة الوسائط من الملائكة والبشر لأنه تعالى لا يريد ظلما للعالمين ، فأراد لهم ما هو مقتضى أحوالهم المكشوف عنها بعلمه ، وأوجد ما أراده وما أراد ، أن يظلمهم بمنعهم ما هو مقتضى أحوالهم ، فأرسل إليهم من يبلغهم مراده تعالى منهم من الخير والهدى ، ليظهر لهم التفاوت بين مرادهم منهم من حيث هو تعالى ، ومراده منهم من حيث هم ، وما هو بظلام للعبيد ، فمراده من حيث هو يسمى أمرا تكليفيا ، ومراده من حيث هم يسمى أمرا تكوينيا ، وإرادته على طبق علمه سبحانه ، وعلمه على طبق المعلوم ، فالرسل والورثة مظاهر الذات المستجمعة ، وجميع من عداهم مظاهر الصفات والأسماء الجامعة ، والأمر عين الدعوة إلى المقام الذاتي ، والدخول في زمرة الرسل والورثة ، والتأثير للصفات والأسماء لا للذات .
( فأراد ) الحق تعالى ( الأمر ) التكليفي لأنه خير محض ( فوقع ) منه سبحانه للمكلفين على ألسنة الوسائط ( وما أراد ) سبحانه ( وقوع ما أمر به ) من ذلك الخير ( بالمأمور ) من المكلفين لأنه أراد ما علمه وما علم من المأمور وقوع ما أمر به ليريده منه ( فلم يقع من المأمور ) ما أمره تعالى به ، لأن لا يكون إلا ما يريده تعالى ولا يريد إلا ما يعلمه ولا يعلم إلا ما هو عليه المأمور في عدمه الأصلي ( فسمي ) عدم وقوع الأمر من المأمور ( مخالفة ) لأمر اللّه تعالى ( ومعصية ) اللّه تعالى صدرت من مأمور مكلف .
* * * فالرّسول مبلّغ ولهذا قال : شيبتني سورة هود وأخواتها لما تحوي عليه من قوله :
فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ
فشيّبه
كَما أُمِرْتَ
[ هود : 112 ] فإنّه لا يدري هل أمر بما يوافق الإرادة فيقع ، أو بما يخالف الإرادة فلا يقع .
ولا يعرف أحد حكم الإرادة إلّا بعد وقوع المراد إلّا من كشف اللّه عن بصيرته فأدرك أعيان الممكنات في حالة ثبوتها على ما هي عليه ، فيحكم عند ذلك بما يراه . وهذا قد يكون لآحاد النّاس في أوقات لا يكون مستصحبا .
قل :
وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ
[ الأحقاف : 9 ] فصرّح بالحجاب .
وليس المقصود إلّا أن يطّلع في أمر خاص لا غير .
( فالرسول مبلغ ) عن اللّه تعالى الأمر إلى الأمة ، والوارث نائبه في ذلك فهو تابع له على كل حال وإن لم يذكره هنا ؛ ( ولهذا ) ، أي لكونه مبلغا وليس له من الأمر