الذي أعطى كل مستعد مما استعد له من الخير أو الشر فحصل به الاتصاف بالوجود .
وللعبد المكلف حالتان : حالة غفلة ونقصان يصدر منه فيها الشر فيناسبها أن ينسب الشر إلى نفسه ، لأنه المستعد له . والتجلي الصفاتي ما أفاض عليه إلا عين ما استعد له فالشر من نفسه في هذا التجلي لا من التجلي الحق .
وحالة يقظة وكمال يصدر منه فيها الخير فيناسبها أن ينسب الخير إلى الحق تعالى ، لأنه بتجليه الذاتي هو الذي أعطى العبد ذلك الاستعداد المقتضي لحكم التجلي الصفاتي عليه بعين ما استعد له من الخير ، فالخير من الحق تعالى في هذا التجلي الذاتي لا من نفس العبد ، ولهذا كان أهل الخير من السعداء فوق أهل الشر من الأشقياء ، لأنهم فوقهم في النظر الدقيق والمعرفة الإلهية ، لأنهم من الذات الإلهية يستمدون وإليها يرجعون ، وأهل الشر من الصفات الإلهية يستمدون وإليها يرجعون ،
قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ
[ البقرة : 60 ] ،
( فَلِلَّهِ )
سبحانه وتعالى
( الْحُجَّةُ )
على مخلوقاته
( الْبالِغَةُ )
[ الأنعام : 149 ] ، أي القوّة النافذة بحيث تخرس كل مخلوق فلا يستطيع ردها ( في علمه ) سبحانه ( بهم ) ، أي بالمخلوقات فإنه علم كيفية ما هم عليه في حضرة إمكانهم وما استعدوا له ، فما أعطاهم إلا ما علم منهم ( إذ ) ، أي لأن ( العلم ) مرتبته ( أنه يتبع المعلوم ) على ما هو عليه ، لأنه صفة كاشفة والكاشف تابع للمكشوف على ما هو عليه ، وإلا لم يكن كاشفا كما مر مفصلا .
* * * ثمّ السّرّ الّذي فوق هذا في هذه المسألة أنّ الممكنات على أصلها من العدم وليس وجود إلّا وجود الحقّ بصور أحوال ما هي عليه الممكنات في أنفسها وأعيانها . فقد علمت من يلتذّ ومن يتألّم .
وما يعقب كلّ حال من الأحوال .
وبه سمّي عقوبة وعقابا .
وهو سائغ في الخير والشرّ غير أنّ العرف سمّاه في الخير ثوابا وفي الشّرّ عقابا .
بهذا سمّي أو شرح الدّين بالعادة ، لأنّه عاد إليه ما تقتضيه وتطلبه حاله ، فالدّين العادة ، قال الشّاعر : كدينك من أمّ الحويرث قبلها ، أي عادتك .