أعمالك كلها كما أوضحنا في كتابنا المطالب الوفية وغيره في عقائد العامة من المؤمنين ( إلا بحكم الأصالة ) ، فإن الدين كله منه سبحانه ، لأنه الخالق للعبد وأفعاله كلها له ، وحكمة ذلك ليظهر هو سبحانه بما شاء من مظاهر أسمائه وصفاته بمقتضى أسمائه وصفاته ، فالأصل هو الظاهر لا غير والفرع الاعتباري هو العبد المكلف .
( قال تعالى ) في حق هذا النوع الثاني من الدين وهو الدين الذي عند الخلق ( ورهبانية ) من الرهبة وهي الخوف ، فكأنها حالة أو أعمال منسوبة إلى الرهبة ، لأنهم ما اتصفوا بها وعملوها إلا من رهبتهم وخوفهم عقاب اللّه لهم في الآخرة ، وكانت هذه في ملة عيسى عليه السلام قبل أن تنسخ ثم جاءت في ملتنا في حق العموم ( ابتدعوها ) ، أي اخترعوها بتحسين عقولهم ما ينبغي أن تكون عليه من الكميات والكيفيات والاتصاف بها والقيام بمقتضاها ، وإن استندوا في فهم ذلك كله بعقولهم إلى ما خيلت لهم كلمات الكتاب والسنة من المعاني ، وقاسوا بعضها على بعض ، وقد قبل منهم ذلك وإن كان خطأ ، لأنه غاية وسعهم كما قال عليه السلام « من اجتهد فأصاب فله أجران ، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد » « 1 » .
( وهي ) ، أي الرهبانية المذكورة ( النواميس ) ، أي القوانين ( الحكمية ) ، أي المنسوبة إلى حكمة الحكماء وهم علماء العقول والأفهام الدقيقة ( التي ) نعت للنواميس ( لم يجئ الرسول ) إلى العباد ( المعلوم ) في كل زمان إلى زمان رسولنا محمد عليه السلام ( بها ) ، أي بتلك النواميس ( في ) حق ( العامة ) أي عامة الناس ( من عند اللّه ) تعالى ( بالطريقة الخاصة ) أي بالوحي النبوي ( المعلومة ) من الأنبياء عليهم السلام ( في العرف ) ، أي اصطلاح أهل كل زمان وكان في زمان عيسى عليه السلام حكماء ماهرون كجالينوس وأفلاطون الإلهي وأرسطاطاليس وغيرهم ولهم نواميس وقوانين اخترعوها لما لم يبق في الفترة دين عيسى عليه السلام وبعد رفع عيسى عليه السلام اخترع الرهابين أيضا من أمة عيسى عليه السلام لما ساحوا في الأرض وفروا من ملوك زمانهم رهبانية استحسنوها بعقولهم تعظيما لملة عيسى عليه السلام وقيامها بها على زعمهم فهي النواميس المذكورة .
وفي هذه الأمة أيضا عند العباد والزهاد ما يضارع ذلك من القوانين العقلية في الامتثال والاجتناب ، اخترعوها جهلا منهم بالأحكام الشرعية المحمدية ، أو استحسانا بآرائهم الخسيفة وطبائعهم الكثيفة من زيادات ونقصان في أحكام اللّه
هامش
( 1 ) رواه ابن حبان في صحيحه ، ذكر كتبة اللّه جل وعلا للحاكم المجتهد ، حديث رقم ( 5061 ) [ 11 / 447 ] وأبو داود ، باب في القاضي يخطئ ، حديث رقم ( 3574 ) [ 3 / 299 ] ورواه غيرهما .