تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
وسأبسط في ذلك إن شاء اللّه ما تقع به الفائدة بعد أن نبيّن الدّين الّذي عند الخلق الّذي اعتبره اللّه . فالدّين كلّه للّه وكلّه منك لا منه إلّا بحكم الأصالة . قال تعالى :
وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها
. وهي النّواميس الحكمية الّتي لم يجيء الرّسول المعلوم بها في العامّة من عند اللّه بالطّريقة الخاصّة المعلومة في العرف . ( فأنزلك ) ، أي أقامك اللّه ( تعالى منزلته ) ، أي في مقامه ( إذا أقمت ) ، أي أدمت القيام ( في الدين ) وهو الطاعة في الظاهر والباطن ( وانقدت ) ، أي استسلمت ( إلى ما شرعه ) ، أي بينه وأوضحه الحق تعالى ( لك ) يا أيها المكلف من الأحكام . ( وسأبسط ) ، أي أطيل الكلام ( في ذلك ) الأمر المذكور ( إن شاء اللّه تعالى ما ) ، أي الذي أو شيئا ( تقع به الفائدة ) ، أي الانتفاع للمريدين والأتباع ( بعد أن نبين ) ، أي نشرح النوع الثاني من الدين كما مر وهو ( الدين الذي عند الخلق ) ، أي المخلوقين ( الذي اعتبره اللّه ) تعالى ، أي قبله ممن أتى به عاجزا عن غيره ، لأنه مقدار الطاقة . قال تعالى :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
[ البقرة : 286 ] ( فالدين كله ) ، أي الانقياد والطاعة إما لأمر اللّه تعالى كما في النوع الأول أو بمقدار وسع النفس من ذلك كما في النوع الثاني ( للّه تعالى ) . أما في الأوّل فلأنه منه وإليه قال تعالى :
وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ
[ هود : 123 ] ، وقال تعالى في سادات هذا النوع الأوّل :
وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ
[ الأنبياء : 27 ]
وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي
[ الكهف : 82 ]
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ
( 27 ) [ الفجر : 27 ] ، أي على أمر اللّه تعالى بعد قوله في موضع آخر :
إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ
[ يوسف : 53 ] ، وأما في الثاني فلأنه كان بقصده تعالى فعلا وكفا كما قال سبحانه :
وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
[ البينة : 5 ] الآية . ( و ) الدين ( كله ) أيضا ناشيء ( منك ) يا أيها المكلف لأنك أنت الذي تنقاد لحكمه سبحانه عليك وتطيعه في الأمر والنهي به سبحانه أو بنفسك ، والدين هو الانقياد والطاعة كما ذكر ( لا ) ناشئا ( منه ) سبحانه ، لأنه هو الخالق لجميع أفعالك ، لا هو المتصف بكونه فعلها ، وأنت المتصف بكونك فعلتها ولست خالقا لها كأعضائك ، فيدك مثلا ما خلقتها أنت بل هو الخالق لها فيك وهي يدك لا يده ، لأنه خلقها لك لتكون من أعضائك ، وكذلك رجلك ، وفمك ونحو ذلك ومثل هذا