عين فعلك ، فالدّين من فعلك فما سعدت إلّا بما كان منك .
فكما أثبت السّعادة لك ما كان فعلك كذلك ما أثبت الأسماء الإلهيّة إلّا أفعاله .
وهي أنت وهي المحدثات .
فبآثاره سمّي إلها وبآثارك سمّيت سعيدا .
( وجاء الدين ) في قوله :
اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ
( بالألف واللام للتعريف والعهد ) الذهني أو الذكري بلفظ الملة فإنها ترادفه ( فهو دين معلوم ) عندهم ( معروف ) بينهم بحيث لا يحتاج إلى بيان ( وهو قوله تعالى :
إِنَّ الدِّينَ )
الكامل الحق
( عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ
( وهو ) [ آل عمران : 19 ] ، أي الإسلام معناه ( الانقياد ) للّه تعالى بامتثال جميع أوامره واجتناب جميع مناهيه بحوله سبحانه وقوته لا بحول العبد وقوّته كما ورد في بعض خطب النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « الحمد للّه المحمود بنعته المعبود بقدرته » « 1 » ( فالدين ) الذي هو عند اللّه وهو دين الإسلام ( عبارة عن انقيادك ) ، أي استسلامك وإطاعتك للّه سبحانه ، في كل ما ورد عنه سبحانه به سبحانه لا بنفسك .
( و ) أما الدين ( الذي ) جاء ( من عند اللّه ) إلى الخلق فإنه ( هو الشرع الذي انقدت ) ، أي أطعته واستسلمت ( أنت ) يا أيها المكلف به ( إليه ) لا نفس الانقياد الحاصل منك فقد فهمت أحكاما إلهية ، وعلمتها وعملت بها على حسب ما تريد فهي الشرع الذي خاطب اللّه تعالى بها جميع المكلفين ( فالدين ) هو ( الانقياد ) منك لما شرع لك ( والناموس ) ، أي القانون الوضعي الإلهي ( هو الشرع ) المحمدي ( الذي شرعه ) أي بينه وأوضحه ( اللّه تعالى ) لعباده على ألسنة الوسائط . قال تعالى :
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ
[ الشورى : 13 ] ، الآية .
( فمن اتصف ) من المكلفين ( بالانقياد ) ، أي التسليم والامتثال ( لما شرّعه ) ، أي بينه وأوضحه ( اللّه تعالى له ) من الاعتقادات والعمليات ( فذلك ) هو العبد ( الذي قام بالدين المحمدي ) على وجه العدل ( وأقامه ) يعني أقام الدين ( أي أنشأه ) ، وأتى به على وجه الكمال قال تعالى :
أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا
[ الشورى : 13 ] .
وقال عليه السلام : « الصلاة عماد الدين فمن أقامها فقد أقام الدين ومن تركها فقد هدم الدين » « 2 » ، ( كما يقيم الصلاة ) ، أي ينشئها ويفعلها على أكمل الوجوه
هامش
( 1 ) أورده ابن حجر العسقلاني في لسان الميزان برقم ( 550 ) [ 5 / 163 ] .
( 2 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 1621 ) [ 2 / 39 ] .