( فالعبد ) المكلف ( هو المنشيء ) ، أي العامل الفاعل ( للدين ) ، لأن الاعتقادات الصحيحة وترك الباطل منها يصدر عنه بخلق اللّه تعالى له ذلك ، وكذلك جميع الأعمال البدنية فعلا وكفا صادر منه ، واللّه تعالى خلق لجميع ذلك فيه ، فالفاعل العامل متصف بما فعله وعمله والخالق غير متصف بذلك ( والحق ) تعالى ( هو الواضع للأحكام ) الشرعية التي ينشئها العبد بفعله وعمله ، كما ذكرنا .
( فالانقياد ) لجميع ذلك والقيام به ( عين فعلك ) يا أيها المكلف ( فالدين من فعلك ، فما سعدت ) يا أيها المكلف ( إلا بما كان منك ) من الدين ، والدين انقيادك فهو عملك فما سعدت إلا بعملك ( فكما أثبت السعادة ) في الدارين ( لك ما كان فعلك ) من الدين ( كذلك ما أثبت الأسماء الإلهية له تعالى إلا أفعاله ) في مخلوقاته بما يريد على مقتضى حكمته البالغة ، فلولا فعله ما ظهر اسمه سبحانه ، فأفعالك أثبتت لك السعادة ، وأفعاله أثبتت له الكمال ، وأفعاله من جملة كماله ، فكذلك أفعالك من جملة كمالك ( وهي ) أي أفعاله التي أثبتت له الأسماء وأظهرتها بإظهار آثارها ( أنت ) يا أيها المكلف ، أي ذاتك وصفاتك في ظاهرك وباطنك وجميع أفعالك في الخير والشر ( وهي ) ، أي أفعاله جميع ( المحدثات ) أيضا ، أي المخلوقات المحسوسة والمعقولة .
( فبآثاره ) ، أي مخلوقاته الصادرة عنه من حضرات أسمائه وصفاته ( سمي ) سبحانه وتعالى ( إلها ) ، أي معبودا بحق في السماوات والأرض ، لأنه سبحانه ما استحق العبادة إلا من كونه خالقا ورازقا إلى آخر أسمائه ، فعنده حاجة كل عبد فهو الإله الحق وما عداه من الآلهة باطل ، لأنه لا تأثير له في شيء أصلا كما قال تعالى :
قُلْ أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ
[ المائدة : 76 ] ،
ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ
[ الأعراف :
191 ] الآية .
( وبآثارك ) ، أي أفعالك الصادرة عنك بسبب اتصافك بصفات المعاني وهي :
الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام ، وبالصفات المعنوية أيضا ، وهي : كونك حيا وعالما وقادرا ومريدا وسميعا وبصيرا ومتكلما إلى غير ذلك من الصفات بخلق اللّه تعالى فيك جميع ذلك ، ولا تأثير لك أصلا مباشرة ولا تولدا ( سمّيت ) يا أيها المكلف ( سعيدا ) في الدنيا والآخرة ، وكذلك تسمى شقيا بآثارك في نقيض الخير من أنواع الشر .
* * * فأنزلك الحقّ تعالى : منزلته إذا أقمت الدّين وانقدت إلى ما شرعه لك .