8 - فص حكمة روحية في كلمة يعقوبية
هذا فص الحكمة اليعقوبية ، ذكره بعد حكمة إسماعيل عليه السلام لبيان أن ما ذكره في حكمة إسماعيل عليه السلام من الدين الذي هو عند اللّه تعالى وعند من هو عند اللّه لا من الدين الذي عند الخلق ، ولأن يعقوب عليه السلام ابن إسحاق فناسب أن يذكر الولد بعد أبيه وإن فصل بأخيه إسماعيل عليه السلام احتراما للعمومة وتتميما للنعمة الموهوبة لإبراهيم عليه السلام حيث قال كما حكى اللّه تعالى عنه :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ
[ إبراهيم : 39 ] .
( فص حكمة روحية ) منسوبة إلى الروح كما مر بيانه ( في كلمة يعقوبية ) إنما اختص يعقوب عليه السلام بالروحية ، لأنه كان الغالب على يعقوب عليه السلام الميل إلى الجمال ومحبة الحسن الظاهر في الصور الكونية ، وهذا حظ الروح ولذة الروحانيين . ولهذا ورد أن نعيم الملائكة عليهم السلام رؤية الوجوه الحسان والتمتع بمشاهدة ذلك من غير شيء زائد على ذلك من شهوة بطن أو فرج ، فإن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون . وكان يعقوب عليه السلام روحانيا من غلبه استيلاء الروح على باطنه ولهذا أحب ابنه يوسف عليه السلام وهام قلبه به ، لأن يوسف عليه السلام أعطي شطر الحسن كما ورد في الحديث .
* * * الدّين دينان : دين عند اللّه وعند من عرّفه الحقّ تعالى ومن عرّفه من عرّفه الحقّ ؛ ودين عند الخلق ، وقد اعتبره اللّه فالدّين الّذي عند اللّه هو الّذي اصطفاه اللّه وأعطاه الرّتبة العليّة على دين الخلق فقال تعالى :
وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
( 132 ) [ البقرة : 132 ] أي منقادون إليه .
( الدين ) ، أي الملة والشريعة والحق الذي ينقاد إليه أهل الإسلام من أمة محمد عليه السلام إذ أديان الكفر كثيرة ( دينان ) الأوّل ( دين ) هو ( عند اللّه ) ، أي في حضرته سبحانه وتعالى لا يعامل خلقه إلا بمقتضاه في الدنيا والآخرة ( وعند ) كل ( من عرف ) به ( الحق تعالى ) بأن ألهمه إياه كما ورد في الحديث « من يرد اللّه به خيرا