تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص — صفحة 328

مساهمون:

ص٣٢٨
لأنه تعالى إذا كان في نفسه على ما هو عليه منزه عن مشابهة كل شيء لا يمتنع مع ذلك أن يكون ظاهرا بصورة كل شيء ، قد تنزه عنه ظهورا وهميا عند الحس والعقل ، لأن جميع المخلوقات بالنسبة إليه تعالى أمور وهمية خيالية لا حقيقة لها ولا وجود لها أصلا في نفسها كما ذكرنا ، فإذا ظهر تعالى كما هو ظاهر كذلك بأي صورة شاء ، أو بأي صور شاء ، أو لجميع الصور على حسب ما يشاء سبحانه ، وذلك الظهور المصوّر بعضها عن بعض ، فلا مانع من ذلك مع كمال تنزهه في نفسه تبارك وتعالى ، وكمال تقديسه عما تدركه العقول أو تعرفه العارفون ، بل لا بد من ذلك عند أصحاب المعرفة وأرباب الحقائق القائمين بالبواطن والظواهر في الشرائع والطريق . ( وقم ) أمر من الإقامة وهي اللزوم وعدم الانتقال ( في مقعد ) ، أي موضع العقود ( الصدق ) وهذا ضد الكذب ويشمل الأقوال والأفعال والأحوال . قال تعالى :
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ 54 فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ
( 55 ) [ القمر : 54 - 55 ] ، فالجنات جمع جنة من الاجتنان وهو الستر ، ولا شك أن الصور الحسية والعقلية أستار للحقيقة الإلهية كما ذكرنا في التشبيه . والنّهر : من النهر بالسكون وهو الشق وخرق حجاب الغفلة عن عين البصيرة ، شق فهو نهر . ومقعد الصدق دوام الاطلاع على شهود الغيب مع الرسوخ في أحكام الشهادة تقتضي الغيبة والاستغراق عن مشاهدة المحسوسات والمعقولات من جهة كونها محسوسات ومعقولات والمليك أبلغ من الملك ، والعندية لزيادة الحرف فهو المستولي على جميع المحسوسات والمعقولات . والمقتدر : الذي يخلق بأسباب وآلات ، بخلاف القادر : فإنه الذي يخلق بلا سبب ولا آلة . والحق تعالى وإن كان لا يتوقف فعله وتخليقه على سبب ولا آلة ، ولكنه تعالى جرت عادته أن يخلق بأسباب وآلات مع عدم الاحتياج إليها أصلا ، وقد خلق الموجود الأول من غير سبب ولا آلة ، فذلك المخلوق الأوّل عبد القادر ، وكل ما عداه من المخلوقات عبد المقتدر ، وهذا جهة التنزيه ، لأنه إثبات المغيب ولاستيلائه على عالم الشهادة مع كمال اقتداره ، فمقعد الصدق : تنزيه وتشبيه ، غيب وشهادة ، حق وخلق ، أول وآخر ، ظاهر وباطن ، وهو بكل شيء عليم . فعلمه لم ينفك عن كل شيء فهو ظاهر بكل شيء ولم يرد أنه تعالى عالم بذاته وصفاته وأسمائه على الخصوص في العلم غير مثل هذه الآية ، لأنه إذا علم كل شيء فقد علم ذاته وصفاته وأسماءه ، فكل شيء مخلوقه وكل شيء معلومه وهو الظاهر بكل شيء كما قال : وخلق كل شيء ، وهو بكل شيء عليم ، وإليه الإشارة بقوله سبحانه :
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ