والنفس الواحدة هي نفس آدم عليه السلام وهي واحدة بالنص ، وكثرتها واختلافها بالعوارض الاعتبارية ، فقد تميز بعضها عن بعض ، ولا يتميز في نفس الأمر ، لأن النفس الواحدة لم تزل في ذاتها واحدة ، كما أن النفس تلك النفس الآدمية وهي الحقيقة المحمدية كذلك ، كما أن نفس تلك الحقيقة المحمدية وهي الحقيقة الأصلية الإلهية كذلك ، ولما كثرت العوارض والاعتبارات على هذه النفوس الثلاثة اختلفت وتعددت بالعرض لا بالذات ، ولا بالاعتبار العدمي ، لا بأمر له حقيقة الوجود ، إذ الوجود واحد لا يتكرر وذلك هو الجنة أمر متميز بالعرض والاعتبار ، وكذلك من ، فإنها كناية عن الإنسان ، وكذلك خشي ، فإنه فعل مشتق من الخشية وهي أمر متميز أيضا بالعرض والاعتبار ، وكذلك ربه ، فإن هذا الاسم ما أطلق على حقيقة الوجود إلا باعتبار أمر آخر ، ومع وجود هذا التمييز لا يكون اتحاد العين أصلا ( لما ) ، أي حين ( دلنا على ذلك ) ، أي وجود التمييز المذكور ( جهل أعيان ) ، أي ذوات إنسانية كثيرة ( في ) هذا ( الوجود ) الحاضر ( بما ) ، أي بالعلم الذي ( أتى به عالم ) .
وقال الخضر لموسى عليه السلام : « ما علمي وعلمك في علم اللّه إلا كما أخذ هذا العصفور بفمه من ماء البحر » « 1 » فجمع بينه وبينه في المشاركة في العلم الواحد .
ثم قال له مرة أخرى : « أنا على علم علمنيه اللّه لا تعلمه أنت ، وأنت على علم علمكه اللّه تعالى لا أعلمه أنا » « 2 » . الحديث . فميز بينه وبينه في ذلك العلم الواحد الذي هو كما أخذ العصفور من البحر ( فقد وقع التمييز بين العبيد ) من عدم التمييز بينهم في أصل الحقيقة ، ولكن حيث تذكر القيود كالعبيد فلا بد من اعتبار التميز حتى لا يناقض الأمر ( و ) حيث وقع التمييز بين العبيد فقد وقع التمييز أيضا ( بين الأرباب ) فرب الجاهل متميز بخصوص تجل على الجاهل عن رب العالم ، وهكذا فالكل متميزون عبيدا وأربابا ، فما في الوجود إلا متميز ، وهذا معنى قوله فيما سبق : فما ثم مثل فما في الوجود مثل .
* * * ولو لم يقع التّمييز لفسّر الاسم الواحد الإلهي من جميع وجوهه بما يفسّر به الآخر والمعزّ لا يفسّر بتفسير المذلّ إلى مثل ذلك .
هامش
( 1 و 2 ) رواه البخاري في صحيحه ، بابوَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ[ الكهف :
60 ] ، حديث رقم ( 4448 ) [ 4 / 1752 ] والطبراني في الأحاديث الطوال ، حديث رقم ( 46 ) [ 1 / 291 ] ورواه غيرهما .