المذل ، وكذلك بقية الأسماء ويتفرع على ما تقدم من الكلام قوله في هذا النظام .
( فلا تنظر ) يا أيها العارف باللّه تعالى ( إلى الحق ) سبحانه وتعالى المتجلي على قلبك بصور جميع ما تدركه من المحسوسات والمعقولات ( وتعريه ) ، أي تجرده عز وجل ( عن ) ملابس صور ( الخلق ) ، أي المخلوقات على اختلافها بأن تنظر إليه خاليا عن صورة شيء من الأشياء فإن هذا محال عند أهل المعرفة ، فإنك إن خليته وجردته عن الصورة الحسية لما تقدر أن تخليه وتجرده عن الصور الخيالية والمعنوية وإن أخليته وجردته عن الكل فأنت معطل له وجاحد لوجوده ، ومع ذلك فأنت مثبت له في ملابس الصور الكونية أيضا ، فإن نفيه من ذلك كله معنى من المعاني وخيال من الخيالات الفكرية ، فقد أثبتّ له ما نفيت عنه بمجرد نفيك وأنت لا تشعر .
( ولا تنظر ) يا أيها العارف أيضا ( إلى ) شيء من ( الخلق ) ، أي المخلوقات المحسوسة والمعقولة ( وتكسوه ) ، أي تلبسه ( سوى ) وجود ( الحق ) سبحانه وتعالى فإن الخلق جميعهم من جهة أنفسهم معدومون ، ولولا كسوة وجود الحق سبحانه لهم لما صح انتساب الوجود إليهم ، والمراد عدم شهود انفكاك الحق عن الخلق والخلق عن الحق ، ولا يلزم من ذلك ما يشكل في عقول القاصرين من لزوم الحلول أو الاتحاد أو الانحلال ، لأنّ تصوّر الإمكان شيئا من ذلك موقوف على ثبوت وجودين مستقلين ، كل واحد منهما قائم بنفسه حتى يتصوّر أن يحل أحدهما في الآخر أو يختلط به أو يتحد به أو ينحل عنه ، ونحو ذلك من وساوس أصحاب الأفكار القاصرين عن درجات علماء الأنوار والأسرار .
وأما إذا كان الوجود حقيقة واحدة مستقلة وجميع ما عداها مما هو صادر عنها أمور عدمية في نفسها ، ظهر فيها ذلك الوجود الواحد باعتبار أنه متوجه عليها ، فالوجود الذي هو الثبوت والتحقق الظاهر لكل شيء محسوس أو معقول هو الوجود الواحد الذي هو عين تلك الحقيقة الواحدة والزائد عليه مما هو مسمى باسم كل شيء لا وجود له أصلا من نفسه ، فلا يشكل عليه إشكال أصلا .
( ونزّهه ) ، أي قل بتنزيهه سبحانه وتعالى وتبعيده وتقديسه عن مشابهة كل شيء محسوس أو معقول ، واعتقد ذلك في نفسك ولا تقتصر عليه فقط فيدخل التعطيل في اعتقادك كما ذكرنا ( وشبّهه ) أيضا سبحانه وتعالى مع ذلك ، أي قل واعتقد أنه عز وجل ظاهر بصورة كل شيء قد نزهته عنه من محسوس ومعقول ، ولا تقتصر على ذلك وحده فتكون من المجسمة الضالة المضلة ، بل اجمع بينهما يخرج لك الحق منهما من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين ، ولا تظن أن هذا أمر متناقض ،
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص — صفحة 327
مساهمون: عبد الغني ابن إسماعيل النابلسي
ص٣٢٧