باللّه تعالى الأولى : ( معرفة به ) سبحانه ( من حيث أنت ) وهي معرفته بصفاته وأسمائه المتوجهة على إيجادك وتكوينك ( و ) الثانية : ( معرفة به ) سبحانه ( بك ) ، أي بنفسك ( من حيث هو ) قائم على كل نفس بما كسبت ، لا من حيث كل نفس بل من حيث هو سبحانه ، وهي المعرفة الذاتية ، ولهذا قال ( لا من حيث أنت ) موجود عنه سبحانه .
والحاصل أنك في المعرفة الأولى عرفت نفسك الوهمية الكونية ، فعرفت ربك من حيث ما هو متجل عليك وفي المعرفة الثانية عرفت نفسك الحقيقية المشار إليها بقوله تعالى في بعض الكتب المنزلة : « يا ابن آدم خلقتك من أجلي ، وخلقت الأشياء كلها من أجلك » « 1 » إلى آخره ، يعني خلقتك لأظهر بك عندك وعند غيرك فتكون مظهري فنفسك المخلوقة إلى غير نفسي الخالقة لك لكن معرفة نفسك المخلوقة لي موصلة إلى معرفة نفسي الخالقة لك ، فإذا عرفت نفسي الخالقة لك بعد معرفة نفسك المخلوقة لي فقد عرفتني حق المعرفة وفي ذلك يقول رضي اللّه عنه .
( فأنت ) يا صاحب المعرفتين حينئذ ( عبد ) من حيث معرفتك الأولى التي عرفت بها نفسك الوهمية فعرفت ربك المحقق ، وعرفت كونا فعرفت عينا ، وعرفت أثرا فعرفت مؤثرا ( وأنت ) أيضا ( رب ) من حيث معرفتك الثانية التي عرفت بها نفسك الحقيقية عرفت قيوما عليك فعرفت قديما ، وعرفت موجودا وما سواه ، فان مضمحل فعرفت حقا ، فأنت برسومك عبد وبلا رسومك رب ، وأنت عبد وبلا أنت رب فأنت عبد ( لمن ) ، أي للذي ( له ) خبر مقدم للمبتداء الثاني ( فيه ) خبر مقدم أيضا للمبتدأ الأوّل ، أي أنت ظاهر في وجوده بماهيتك المعدومة ( أنت ) مبتدأ أوّل ( عبد ) مبتدأ ثان ، أي أنت عبد لمن أنت فيه عبد له ، وهو ربك الظاهر لك في معرفتك الأولى ، المعرفة الصفاتية الاسمائية ، وأنت رب أيضا لمن أنت فيه عبد له لأنك ارتقيت إلى المعرفة الثانية وهي المعرفة الذاتية ، فأنت رب لمن كان ربك في المعرفة الأولى ، فالذي تعرفه من الرب سبحانه أنت عبده وهو ربك في المعرفة الأولى ، فإذا تحققت بما لم تكن تعرفه في المعرفة الأولى وعرفته في المعرفة الثانية ، فالذي تعرفه في المعرفة الثانية رب لمن كنت تعرفه في المعرفة الأولى ، فإذا تحققت بهذه المعرفة الثانية رسخت فيها وعرفت الأمر على ما هو عليه فأنت كامل .
( وأنت رب ) من حيث نفسك الحقيقية ( وأنت عبد ) أيضا من حيث نفسك الوهمية فربوبيتك ( لمن له في الخطاب عهد ) وهو الذي قال : بلى لما قيل :
أَ لَسْتُ
هامش
( 1 ) هذا الأثر لم أجده فيما لدي من مصادر ومراجع .