( ويعجز ) ، أي ذلك العبد المذكور حينئذ ( عما ) ، أي عن إعطاء ما ( طالبوه بذاته ) ، أي بسبب ذاته ، لأنه عبد عاجز ، وإن فني وظهر منه رب قادر بعد فنائه ، فإن اعتبار كونه عبدا لا يزول من حضرة علم ربه كما قال موسى عليه السلام فيما حكاه اللّه عنه
لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى
[ طه : 25 ] ، يعني أن الرب المتجلي بالعبد إذا ظهر عند العبد وبطن ذلك العبد فلم يبق له وجود أصلا عنده ، فإن ربه لا يضل عنه ولا ينسى تجليه به ، فالعبد عاجز على كل حال ( لذا ) ، أي لأجل ما ذكرنا من عجز العبد مطلقا ( تر ) يا أيها الإنسان ( بعض العارفين به ) ، أي باللّه تعالى ينحصر في نفسه ويضيق عليه حاله حتى ( تبكي ) من غير سبب يقتضي ذلك في عالم الدنيا غير ما ذكر من رؤية عجزه في نفسه الفانية المختفية في تجلي نور ربه الباقي عن جميع ما تطالبه به العوالم إذا كشف له عنها كذلك .
( فكن ) يا أيها العارف ( عبد رب ) ، أي عبدا ظاهرا وربك باطن عنك مستتر بك في الفرق الثاني لا عبدا فقط من غير إضافة إلى رب ، فإنها حالة أهل الغفلة المحجوبين في الفرق الأوّل ( لا تكن ) يا أيها العارف ( رب عبده ) الذي هو نفسه بحيث يكون ربك ظاهرا عندك وأنت باطن في غيبه ولم يقل لا تكن ربا هكذا بالإطلاق من غير إضافة إلى عبده ، لأن ذلك غير ممكن لما ذكرنا من أن الرب والعبد اسمان إضافيان ، ولأن ذلك زندقة وكفره بما يتوهم إمكانها ببعض رعاء الناس الأجانب عن هذه الطريقة ، وقد وجدنا منهم كثيرا ( فتنهب ) حينئذ يا أيها العارف ( بالتعليق ) ، أي بالاشتعال والتوقد ( في النار ) ، أي نار القهر الإلهي ( والسبك ) معطوف على التعليق ، أي الانسباك يعني الإفراغ في قوالب الشر .
ثم فص الحكمة الإسحاقية
* * *