الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً
[ الأنفال : 29 ] ، والفرقان هو الفارق بين الحق والباطل ، ينزله اللّه تعالى في قلوب الأنبياء عليهم السلام وحيا على قلوب العارفين به من الأولياء والورثة رضي اللّه عنهم إلهاما ما قال تعالى :
تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً
( 1 ) [ الفرقان : 1 ] ، وهو الروح الأمري . قال تعالى :
يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
[ غافر : 15 ] الآية . وهو تفصيل كل شيء ، والقرآن مجمله ، فمن كان قرآنا في نفسه التي إذا عرفها عرف ربه كما ورد في الأثر ، كان فرقانا في صورته الظاهرية والباطنية .
* * * وهو مثل ما ذكرناه في هذه المسألة فيما يتميّز به العبد من الرّبّ وهذا الفرقان ، أرفع فرقان .
فوقتا يكون العبد ربا بلا شكّ * ووقتا يكون العبد عبدا بلا إفك
فإن كان عبدا كان بالحقّ واسعا * وإن كان ربّا كان في عيشة ضنك
ومن كونه ربّا يرى الخلق كلّه * يطالبه ومن حضرة الملك والملك
فمن كونه عبدا يرى عين نفسه * وتتّسع الأمال منه بلا شكّ
ويعجز عمّا طالبوه بذاته * لذا تر بعض العارفين به تبكي
فكن عبد ربّ لا تكن ربّ عبده * فتذهب بالتّعليق في النّار والسّبك
( وهو ) ، أي الفرقان الذي يجعل للمتقي ( مثل ) ، أي نظير ( ما ذكرناه في هذه المسألة ) المتقدم بيانها ( فيما يتميز به العبد من الرب ) ففي المسألة المتقدمة يتميز العبد بالغفلة والرب بعدمها ، والعبد بالحفظ الضمني والرب بالحفظ الاستقلالي ، وهنا يتميز العبد بالتفصيل في الفرقان والرب بالإجمال في القرآن والإجمال وراء التفصيل . قال اللّه تعالى :
وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ 20 بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ 21 فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ
( 22 ) [ البروج : 20 - 22 ] . ( وهذا الفرقان ) الذي يجعله اللّه تعالى هدى للمتقين بالمراتب الثلاث ( أرفع فرقان ) بالنسبة إلى الفرقان الذي يجعله له اللّه تعالى لصاحب المرتبتين الأوليين ، لأن هذا الفرقان في مرتبة حق اليقين فوق فرقان عين اليقين وفرقان علم اليقين .
( فوقتا ) ، أي في وقت ( يكون العبد ) ، أي عبد اللّه تعالى القائم به سبحانه عند نفسه كشفا وشهودا لا عبد الهوى القائم بالأسباب المعاشية والمعادية ( ربا ) من حيث فناؤه كله في بصيرته وظهور ربه له في ذوقه وشهوده ( بلا شك ) عنده في ذلك