هذا الكتاب فهي يتيمة الوقت وفريدته فإيّاك أن تغفل عنها .
فإنّ تلك الحضرة الّتي يبقى لك الحضور فيها مع الصّورة ، مثلها مثل الكتاب الذي قال اللّه تعالى فيه :
ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ
[ الأنعام : 38 ] .
فهو الجامع للواقع وغير الواقع .
ولا يعرف ما قلناه إلّا من كان قرآنا في نفسه .
فإنّ المتّقي للّه يجعل له فرقانا .
( وقد أوضحت هنا ) ، أي في هذا المحل ( سرا ) من أسرار اللّه تعالى في مقام المعرفة الإلهية ( لم يزل أهل اللّه ) تعالى العارفين به ( يغارون على مثل هذا ) السر ( أن يظهر ) عند غيرهم ( لما فيه ) ، أي في إظهار ذلك ( من رد دعواهم ) في أنفسهم القائمة بالحق ( أنهم الحق فإن الحق سبحانه لا يغفل أصلا ) ، كما قال تعالى عن موسى عليه السلام أنه قال :
لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى
[ طه : 52 ] . وقال سبحانه :
لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ
[ البقرة : 255 ] .
( والعبد ) المخلوق وإن كان في أعلى درجات المقربين ( لا بد له أن يغفل عن شيء دون شيء ) لقصوره وعجزه عن كمال الحق وقدرته ، فإن العارف مخلوق بالقوة الإلهية وهي ظاهرة فيه ، لأنها قيومة وإن سميت عنده باسم الهمة كما قدمناه ( فمن حيث إن ) منه ( الحفظ ) ، أي حفظ الوجود ( لما خلق ) بهمته التي هي في حقيقة الأمر نفس القوّة الإلهية القيومة عليه ( له أن يقول ) من هذا الوجه ( أنا الحق ) إذ هذا القول إذا صدر منه إنما يصدر أوّلا عن تلك القوّة الإلهية التي هو قائم بها صدورا حقيقيا ثم يصدر بطريق المجاز عن العارف نفسه صدورا ثانيا هو محل الالتباس وفتنة أهل الظاهر من عامة المؤمنين ( ولكن ما حفظه ) ، أي العارف ( لها ) ، أي تلك الصورة التي صدرت عن قوّة اللّه تعالى هو قائم بها المسماة بهمته هو ( حفظ الحق ) تعالى بعينه لتلك الصورة بل بينهما فرق ( وقد بينا ) ، أي كشفنا وأوضحنا ( الفرق ) هنا بين حفظ اللّه تعالى لتلك الصورة وحفظ ذلك العارف لها ، وذلك ما تقدم من وجود الغفلة في العارف إذا شهد حضرة ما بعد ضبطه جميع الحضرات حيث صارت الصور يحفظ بعضها بعضا ، وتميز حفظ اللّه تعالى عن حفظ ذلك العارف ، فإن حفظ العارف لمحة من لمحات حفظ الحق تعالى ، وحفظ الحق تعالى هو الباقي الدائم على حسب ما يريد سبحانه ، فإذا لاحظ العارف تلك اللمحة فصدق بها في قوله : أنا الحق لا يلزم أن يكون حفظه لتلك الصورة هو حفظ الحق تعالى لها في جميع اللمحات حتى يصح له قوله : أنا الحق دائما وقد بينه بقوله :