أي عدم الارتواء منه تعالى ( أبو يزيد ) قدس اللّه سره كما ورد عنه حين أرسل إليه سهل التستري رضي اللّه عنه يقول له : ههنا رجل شرب شربة فلم يظمأ بعدها أبدا ، فقال له أبو يزيد قدس اللّه سره : ههنا رجل شرب الأكوان جميعا وهو فارغ فمه يلهث من العطش حيث لم يثبت الري من الحق تعالى ، فيكون قول أبي يزيد رضي اللّه عنه المذكور هنا في حالة من أحواله ، وإلا فإن قوله بعدم الارتواء المذكور عنه يقتضي أن فلبه وسع الحق وجميع ما صدر عنه ويصدر عنه ولم يكتف بذلك ولم يحس به كما قال الشيخ الأكبر رضي اللّه عنه هنا .
واعلم أن المراد بهذا الوسع من القلب للحق تعالى هو وسع التجلي بأحد الحضرات الإلهية ، لا وسع حلول ونحوه مما يفهمه الأجنبي عن هذه الطريقة ، ولا شك أن الحق تعالى إذا تجلى على القلب أعني قلب العبد المؤمن من هذا النوع الإنساني ، انكشف له انكشافا تاما بالنظر إلى كل تجل له تعالى على ما عدا ذلك القلب من قلوب جميع المخلوقات ، وذلك التجلي المذكور عند ذلك القلب قاصر أيضا بالنظر إلى همته العلية في طلب حصول المراتب الكشفية ، فلا يقنع قلب المؤمن بتجل أصلا ، وهذا معنى عدم الارتواء ( ولقد نبهنا ) ، أي أيقظنا من كان غافلا عن ذلك ( على هذا المقام ) المذكور للعارف باللّه تعالى ( بقولنا ) من النظم .
( يا خالق ) ، أي مقدر ومصور وموجد والخطاب للحق تعالى أو للإنسان الذي له في نفسه قوّة خيالية يقدر بها ما يشاء كما سيذكره ( الأشياء ) جمع شيء وهو جميع العوالم المحسوسة والمعقولة ( في نفسه ) ، أي بقوة نفسه إذ لا يحل شيء مقدر في نفس من قدره أصلا حيث لم يكن للشيء المقدر في النفس ما للنفس المقدر له من حقيقة الوجود والثبوت ، وإن كان له وجود وثبوت بالمقدر له على حسب ما يليق به مما يناسبه كما هو المعروف ( أنت ) يا أيها الخالق في نفسه لكل ما يريد ( لما ) ، أي لجميع ما ( تخلقه ) ، أي تقدره في نفسك ( جامع ) ، أي حاو ومحيط ، ولذلك قال تعالى : واللّه
بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ
[ فصلت : 45 ] ،
وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
[ الروم :
50 ] ، و
عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ
[ الأنعام : 102 ] ، و
عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً
[ النساء :
86 ] ونحو ذلك .
( تخلق ) ، أي تقدر وتوجد ( ما لا ينتهي ) ، أي يفرغ ويكمل ( كونه ) ، أي وجوده على حسب ما تريد ( فيك ) ، أي في نفسك يعني بقوّة نفسك بحيث تبقى نفسك متوجهة إلى ما تخلقه بقوّتها ، ويبقى ذلك المخلوق بها قائما بتوجيهها عليه موجودا بإيجادها له ( فأنت ) حينئذ حيث جمعت ما لا يتناهى من الأشياء ( الضيق ) ، لأنك واحد غير منقسم ولا متجزىء ونفسك واحدة غير منقسمة ولا متجزئة ( الواسع ) من