تعالى ، فيزول النوم بالرؤيا الأخروية التي في دار القرار ، والنائم يرى في منامه ما عسى أن يرى ، فكل رؤية فهي رؤيا منام ما عدا الرؤيا الجنانية ، فإنها رؤيا يقظة فلا تأويل لها ولا تعبير من وجه ، وهي رؤيا منام أيضا من وجه آخر ، ولهذا يحصل فيها الترقي ولا يحتجب عنها صاحبها حتى ينكشف الحق سبحانه أكثر من الانكشاف الأوّل ، فيكون الأوّل رؤيا والثاني رؤية والرؤيا تحتاج إلى التعبير .
وهكذا إلى ما لا نهاية له كما قال صلّى اللّه عليه وسلم « إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر اللّه في اليوم سبعين مرة » « 1 » وللوارث المحمدي من هذا نصيب في الدنيا والآخرة .
وأطلق الشيخ قدس اللّه سره رؤيتنا الحق تعالى ولم يقيدها بموطن الدنيا والآخرة لإرادته أعم من ذلك كما ذكرنا ( في صورة ) قدرها تعالى فظهر بها بحكم قوله سبحانه :
وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً
[ الفرقان : 2 ] ، وقوله سبحانه :
لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
[ البقرة : 284 ] ،
وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ
[ النمل : 91 ] ، وقوله :
قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ يونس : 101 ] ، وقوله :
وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ
[ الأنعام : 3 ] ، ( يردها ) ، أي تلك الصورة أن تكون للحق سبحانه من حيث ذاته سبحانه ( الدليل العقلي ) كما ذكره المتكلمون من أنه سبحانه منزه عن التصوير وأن تكون له صورة وإلا كان حادثا سبحانه ، وهو قديم أزلي ( أن تعبر ) ، أي تؤول ( تلك الصورة ) التي رأينا الحق تعالى فيها ( بالحق المشروع ) ، أي الذي وردت أوصافه في الشريعة المحمدية على حسب ما وردت من غير زيادة ولا نقصان .
( وأما ) المشروع ( في حق حال الرائي ) كما ورد في حديث : « ما وسعني سماواتي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن » « 2 » ، فإن هذا العبد المؤمن جاء في حقه أن ما يراه بقلبه هو الحق سبحانه ، فهو إله المعتقدات لا الإله المطلق من حيث هو مطلق ( أو ) في حق ( المكان الذي رآه فيه ) ، كما ورد في الحديث : « إن اللّه في قبلة أحدكم » « 3 » وجاء في مقام الإحسان قوله عليه السلام « أعبد اللّه كأنك تراه » « 4 »
هامش
( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .
( 2 ) هذا الحديث سبق تخريجه .
( 3 ) رواه البخاري بلفظ : عن أنس أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم رأى نخامة في القبلة فشق ذلك عليه حتى رؤي في وجهه فقام فحكه بيده فقال : « إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه أو إن ربه بينه وبين القبلة فلا يبزقن أحدكم قبل قبلته ولكن عن يساره أو تحت قدميه ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه ثم رد بعضه على بعض فقال أو يفعل هكذا » . ( باب حك البزاق باليد من المسجد ، حديث رقم ( 398 ) [ 1 / 159 ] ورواه غيرهما .
( 4 ) هذا الحديث سبق تخريجه .