وما حكمه في موطن دون موطن * ولكنّه بالحقّ للخلق سافر
إذا ما تجلّى للعيون تردّه * عقول ببرهان عليه تثابر
( ولما كان للرؤيا ) المنامية ( هذان الوجهان ) المذكوران أن بعض الأشياء التي ترى في المنام يدخلها التعبير ، وبعض الأشياء تخرج في الحس كما كانت في المنام فلا تعبير لها ، والأصل في كل رؤيا أن لها تعبيرا .
وأما ما لا تعبير لها فعلامتها خروجها إلى الحس كذلك ، فإذا لم تخرج بنفسها في الحس وهو نادر فإن لها تعبيرا ينبغي طلبه والسؤال عنه ( وعلمنا اللّه تعالى ) بمحض لطفه وإحسانه بما قصه علينا في القرآن العظيم ( فيما فعل بإبراهيم عليه السلام ) من إراءته في منامه أنه يذبح ولده وتعبيره أنه يذبح الكبش لا ولده ( وما قال له ) من قوله تعالى :
وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ 104 قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا
الآية .
( الأدب ) مفعول علمنا ، أي أن نتأدب في كل ما نرى بأن نعبر ذلك ونؤوله ولا نحمله على ظاهره ( لما ) ، أي لأجل ما ( يعطيه مقام النبوّة التي ) في إبراهيم عليه السلام من الرفعة وعلو الشأن ومع ذلك فعل به ما فعل ، وقال له ما قال ، فكيف بمن دونه ( علمنا ) جواب لما كان المطلوب منا ( في ) وقت ( رؤيتنا الحق تعالى ) ونحن في يقظة الحياة الدنيا التي هي منام بالنظر إلى ما بعدها من عالم البرزخ والموت بحكم قوله عليه السلام : « الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا » « 1 » . ورؤيتنا الحق تعالى أيضا ونحن في نومة الموت ، وعالم البرزخ بحكم قوله تعالى عمن قال عنهم : إنهم يقولون يوم القيامة في عالم البعث :
قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا
[ يس : 52 ] ، والمرقد : موضع الرقود وهو النوم ، وكذلك رؤيتنا الحق تعالى ، ونحن في نومة البعث والحشر ، ثم في نومة القرار في جنة أو نار ، وإن لم تأت الإشارة إلى أن ذلك نوم أيضا في الأخبار ، فإن الكشف حاكم بذلك ، وإليه الإشارة بتصديق النبي عليه السلام للشاعر في قوله : أصدق كلمة قالها الشاعر قول لبيد :
* إلا كل شيء ما خلا اللّه باطل *
« 2 » فإنه يشير إلى ما أردناه من أن العوالم كلها منام في منام حتى يظهر الحق
هامش
( 1 ) سبق تخريجه وهو من كلام سهل بن عبد اللّه التستري وتتمته : « فإذا انتبهوا ندموا ، وإذا ندموا لم تنفعهم ندامتهم .
( 2 ) رواه مسلم في صحيحه ، كتاب الشعر ، حديث رقم ( 2256 ) [ 4 / 1768 ] وابن أبي شيبة في المصنف ، الرخصة في الشعر ، حديث رقم ( 26015 ) [ 5 / 272 ] .