لعلمه بموطن الرّؤيا وما يقتضي من التّعبير .
وقد علم أنّ صورة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم الّتي شاهدها الحسّ إنّها في المدينة مدفونة ، وأنّ صورة روحه ولطيفته ما شاهدها أحد من أحد ولا من نفسه .
كلّ روح بهذه المثابة .
( ثم قال ) تعالى لإبراهيم عليه السلام ( إن هذا ) ، أي الأمر بذبح الابن ونسخ الحرمة في ذلك على حسب ظنه عليه السلام ، ثم ظهور الأمر له بخلاف ذلك ( لهو البلاء ) أي الاختبار من اللّه تعالى له عليه السلام ، لأن الأنبياء أشد الناس بلاء . كما ورد في الحديث « 1 » لنبينا صلّى اللّه عليه وسلم ( المبين ) أي ( الظاهر ، بحيث لا خفاء فيه أصلا ( يعني الاختبار ) ، أي طلب الخبرة من العبد المختبر ( في العلم هل يعلم ) ذلك العبد ( ما يقتضيه ) ، أي يطلبه ( موطن لرؤيا ) المنامية وهو عالم الخيال ( من التعبير ) ، أي التأويل وعدم الحمل على الظاهر ( أم لا ) يعلم ذلك وسبب هذا الاختبار .
( لأنه ) ، أي إبراهيم عليه السلام ( يعلم أن موطن الخيال ) ، أي الموطن الذي هو الخيال وهو عالم المنام ( يطلب التعبير ) والتأويل في الغالب ( فغفل ) عليه السلام عن ذلك بسبب رؤياه الأمر العظيم وهو ذبح ولده لا ذبح كبش فاهتم بالقيام بما أمره به ربه مسارعة إلى إظهار ذلك ولم يؤوله ولم يصرفه عن ظاهره ، فكان نظير قوله تعالى لنبينا صلّى اللّه عليه وسلم
وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً
[ طه : 114 ] ، وقوله تعالى :
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ
( 16 ) [ القيامة : 16 ] الآية .
من أنه عليه السلام كان يبادر إلى التبليغ ويسارع إلى مرضاة ربه ، فأمره اللّه تعالى بالتؤدة في ذلك والثاني في تلقي الوحي من الملك ، وطلب الزيادة من العلم لا من العمل ( فما وفّى ) ، أي أعطى ( الموطن ) وهو عالم الخيال ( حقه ) بتعبير ما رأى اهتماما منه بأمر ربه ومسارعة إلى حصول مرضاته كما قال موسى عليه السلام :
وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى
[ طه : 84 ] .
( وصدق ) إبراهيم عليه السلام ( الرؤيا ) التي رآها ( لهذا السبب ) حيث لم يعبرها فعوتب على ذلك من اللّه تعالى ( كما فعل تقي بن مخلد ) رحمه اللّه تعالى ( الإمام ) الجليل ( صاحب المسند ) في الأحاديث ، وقد وقفت على ترجمة مستقلة في جزء
هامش
( 1 ) ونصه : عن مصعب بن سعد عن أبيه أنه قال : يا رسول اللّه من أشد الناس بلاء قال الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى العبد على حسب دينه فما يبرح بالعبد حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة » رواه ابن حبان في الصحيح ، ذكر البيان بأن البلايا في السنن الكبرى ، أي الناس أشد بلاء ، حديث رقم ( 7482 ) [ 4 / 352 ] ورواه غيرهما .