وأرشده سبحانه في ضمن ذلك إلى التعبير والتأويل في رؤياه ، وأن لا يحمل الرؤيا على ظاهرها ( لأنه ) ، أي إبراهيم عليه السلام ( ما عبّرها ) ، أي أوّلها وعبر من ظاهرها إلى باطنها ( بل أخذ بظاهر ما رأى ) في منامه ، لأن رؤيا الأنبياء عليهم السلام وحي من اللّه لهم واللّه تعالى يرشدهم إلى تعبير ما رأوا تأويله ، وإنما حمل إبراهيم عليه السلام على عدم التعبير والتأويل في رؤياه علمه بأن الرؤيا على قسمين :
قسم محتاج إلى التعبير ، لأنه مثال مضروب للإشارة إلى أمر آخر وقسم غير محتاج إلى التعبير ، لأنه واقع على طبق ما يرى كما قالت عائشة رضي اللّه عنها :
أوّل ما بدىء به النبي عليه السلام من الوحي الرؤيا الصادقة ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح « 1 » ، أي مطابقة لعين ما رأى ، فظن إبراهيم عليه السلام أن رؤياه تلك من القسم الثاني غير محتاجة إلى التعبير وأخذ بالاحتياط إلى أمر ربه لعل الأمر أن يكون كذلك حتى أوحى اللّه تعالى إليه في يقظته بما كشف له به عن وحيه في منامه فكان وحي اليقظة من تمام وحي المنام ومن جملة بيانه كما أوحى اللّه تعالى لنبينا عليه السلام في ليلة المعراج بأمر الصلوات الخمس خصوصا على قول من قال : إن المعراج كان رؤيا منام كما قال بعضهم ذلك في قوله تعالى :
وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ
[ الإسراء : 60 ] الآية .
إنها رؤيا المعراج فلما أصبح النبي صلّى اللّه عليه وسلم أوحى اللّه تعالى إليه في اليقظة صبيحة ليلة المعراج بإرسال جبرائيل عليه السلام ، فبين له كيفية الصلوات الخمس ، فصلى به إماما في يومين بإزاء باب الكعبة تكميلا لوحي ليلة المعراج وتتميما له وشرحا وبيانا ، فكأنه تعبير ما رأى في منامه إن كان المعراج مناما كما تشير إليه الآية المذكورة وغيرها من الأحاديث أيضا وهو مذكور في محله ( و ) لا شك أن ( الرؤيا ) في الغالب ( تطلب ) ، أي تقتضي ( التعبير ) وهو المتبادر من كل رؤيا منامية ، لأنها في عالم الخيال لا في عالم الحس ، وأما الرؤيا التي لا تحتاج إلى التعبير فهو أمر نادر الوقوع خارج عن مقتضى الرؤيا المنامية ، والنادر لا حكم له يكون مطردا بحيث يعتبر ( ولذلك ) ، أي لأجل كون الرؤيا تطلب التعبير ( قال العزيز ) ، أي عزيز مصر في قصة يوسف عليه السلام لما رأى
سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ
. فقال :
( يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ )
[ يوسف :
43 ] ، أي تؤولون وتفسرون ( ومعنى التعبير ) للرؤيا من العبور وهو ( الجواز ) ، أي
هامش
( 1 ) هذا الحديث عن السيدة عائشة سبق تخريجه .