الأمر الظاهر في صورة الخلق ( لما ) ، أي لأجل ما ( وقع في ذهن ) ، أي خاطر ( إبراهيم عليه السلام ما هو ) ، أي ليس هو ( فداء في نفس الأمر عند اللّه تعالى ) ، لأنه إنما ذبح كبشا عظيما في منامه وفي يقظته فكشف صلّى اللّه عليه وسلم عن هذا الأمر الواحد العظيم الظاهر في صورة الخلق فذبحه عين المحو ونداء الحق أخرج إبراهيم عليه السلام من الفرق إلى الجمع ومن السكر إلى الصحو واليقظة والمنام كلاهما التباس على حقيقة المطلوب ولهذا قال :
( فصور الحسّ ) لإبراهيم عليه السلام وهو اليقظة ( الذّبح ) ، أي الكبش العظيم ( وصور الخيال ) وهو المنام ( ابن إبراهيم ) لإبراهيم عليه السلام .
( فلو رأى ) إبراهيم عليه السلام ( الكبش في الخيال ) ، أي في منامه ورأى أنه يذبحه ( لعبّره ) ، أي عبر رؤياه ( بابنه أو بأمر آخر ) ولم يكن يحمله على ظاهره لعدم وجود العظمة فيه بظهوره في صورة ابنه الآدمي المعصوم ، فإنه ذبح الكبش في المنام ليس بأمر عظيم مثل ذبح الابن في المنام ، فلو رأى كبشا لعبّره وأوّله ولم يحمله على ظاهره ، لأنه إتلاف المال والمال ليس بعظيم عند الأنبياء عليهم السلام واللّه تعالى يعلم ذلك من الأنبياء ، وإبراهيم عليه السلام يعلم ما يعلم اللّه منه من حقارة الدنيا عنده وعزة الدين في قلبه ، وفي ذبح ابنه إتلاف الدين لا إتلاف الدنيا لحرمته في الشرائع كلها ، وقد ظن إبراهيم عليه السلام نسخ الحرمة في شريعته فقررها اللّه تعالى في شريعته أيضا بما وقع له من الفداء في اليقظة ، ولهذا لم يعبر رؤياه .
* * * ثمّ قال :
إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ
( 106 ) [ الصافات : 106 ] ، أي الاختبار الظّاهر يعني الاختبار في العلم هل يعلم ما يقتضيه موطن الرّؤيا من التّعبير أم لا ؟ لأنّه يعلم أنّ موطن الخيال يطلب التّعبير فغفل فما وفّى الموطن حقّه ، وصدّق الرّؤيا لهذا السّبب .
كما فعل تقي بن مخلّد الإمام صاحب المسند ، سمع في الخبر الّذي ثبت عنده أنّه عليه السّلام قال : « من رآني في النّوم فقد رآني في اليقظة فإنّ الشّيطان لا يتمثّل على صورتي » فرآه تقي بن مخلد وسقاه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم في هذه الرّؤيا لبنا فصدّق تقيّ بن مخلّد رؤياه واستقاء فقاء لبنا . ولو عبّر رؤياه لكان ذلك اللّبن علما . فحرمه اللّه علما كثيرا على قدر ما شرب . ألا ترى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أتي في المنام بقدح لبن قال : « فشربته حتى خرج الرّيّ من أظافيري ثمّ أعطيت فضلي عمر » قيل ما أوّلته يا رسول اللّه ؟ قال العلم ، وما تركه لبنا على صورة ما رآه