الباطنية والظاهرية ( وجهان ) ، أي اعتباران الوجه الأول ( هو ) وذلك ظهور في صورتي حسا وعقلا ( و ) الوجه الثاني : ( أنا ) وهو العبد المخصوص بالصورة المحسوسة والمعقولة ( وليس له ) ، أي للحق تعالى ( أنا ) من حيث صورتي حسا وعقلا المغايرة له ( بأنا ) من هذه الحيثية بل له أنا من حيث صورتي عقلا وحسا من دون مغايرة له ، فأنا له غير أنا لنفسي وإن كانت الصورة واحدة ، فإنهما اثنان لكل واحد منهما حكم ليس للآخر ، فالسر في النفس والقلب ، فالنفس لي والقلب له ، والنفس هي القلب إلا أنها غيره ، فالجمود للنفس والتقلب للقلب ، والجهل للنفس والعلم للقلب ، فالنفس تصير قلبا بالتقلب باللّه .
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف شاء » « 1 » وقال : « اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك » « 2 » ، وقال : « ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن » « 3 » . والقلب يصير نفسا للمنافسة للحق والجمود على الظواهر . وفي الأثر : « من عرف نفسه فقد عرف ربه » « 4 » .
وقال : « عاد نفسك فإنها انتصبت لمعاداتي » « 5 » .
( ولكن في ) ، أي في نفسي وصورتي ( مظهره ) ، أي موضع ظهوره ، فالظهور له وأنا آلة الظهور ، كالحروف المركبة في الكلمة آلة ظهور المعاني من غير حلول ولا اتحاد ، فلولا المعاني ما ظهرت الحروف ولا كانت موجودة ، إذ ليس الحروف مقصودة لذاتها ، ولولا الحروف ما ظهرت المعاني للغير ولا تبينت ، فالحروف ظروف المعاني من غير ظرفية ، ولهذا قال :
( فنحن ) معشر المخلوقات المحسوسة والمعقولة ( له ) ، أي للحق تعالى باعتبار ظهوره في حضرات صفاته وأسمائه لا باعتبار ذاته ، لأنه باعتبار الذات غني عن العالمين ، ولهذا أتى باسم الجلالة الذي هو اسم للذات الجامع لجميع الأسماء فقال :
فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ
[ آل عمران : 97 ] ( كمثل إناء ) بكسر الهمزة ، أي وعاء ولسنا له إناء ووعاء حقيقة بل نشبه ذلك ، لأنه وجود مطلق ، ونحن إمكان
هامش
( 1 ) روى نحوه الحاكم في المستدرك ، كتاب الرقاق ، حديث رقم ( 7907 ) [ 4 / 357 ] والنسائي في السنن الكبرى ، كتاب الاستعاذة . . ، حديث رقم ( 7861 ) [ 4 / 443 ] وروى نحوه غيرهما .
( 2 ) رواه الترمذي في سننه ، باب ما جاء أن القلوب بين إصبعي الرحمن ، حديث رقم ( 2140 ) [ 4 / 448 ] وابن ماجة في سننه ، باب دعاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « حديث رقم ( 3834 ) [ 2 / 1260 ] ورواه غيرهما .
( 3 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 2256 ) [ 2 / 255 ] والهروي في المصنوع [ 1 / 291 ] .
( 4 ) هذا الحديث سبق تخريجه .
( 5 ) أورده الآمدي في الإحكام [ 1 / 197 ] .