فإنّ الغذاء يسري في جميع أجزاء المغتذي كلّها وما هنالك أجزاء فلا بدّ أن يتخلّل جميع المقامات الإلهيّة المعبّر عنها كلّها بالأسماء فتظهر بها ذاته جلّ وعلا .
فنحن له كما ثبتت * أدلّتنا ونحن لنا
وليس له سوى كوني * فنحن له كنحن بنا
فلي وجهان هو وأنا * وليس له أنا بأنا
ولكن فيّ مظهره * فنحن له كمثل إنا
وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
[ الأحزاب : 4 ] .
( ولما كان ) ، أي وجد ( للخليل ) إبراهيم عليه السلام ( هذه المرتبة ) المذكورة التي هي الغذاء من الطرفين في ظهور العين ، كالصبغ المركب من لونين فأحدهما يغذي الآخر في ظهور ذلك اللون ، وهو ما ذكرنا من جمع وفرق ، باعتبار علم الحق سبحانه بنفسه ظاهرا لنفسه في شؤونه الإمكانية العدمية ، واعتبار علم الحق تعالى أيضا لتلك الشؤون الإمكانية العدمية بنفسها ، ولا شك أن الخليل عليه السلام من جملة تلك الشؤون ، ولكنه افترق عنها بما في إمكانه وتقديره من الاطلاع ، والكشف عما هو في نفس الأمر من ذلك ، ولهذا السبب اختص بهذه المرتبة ( التي بها ) ، أي بسببها ( سمّي إبراهيم ) عليه السلام ( خليلا ) للحق تعالى ( لذلك ) ، أي لما ذكر ( سنّ ) ، أي جعل سنة إلى يوم القيامة ( القرى ) بالكسر أي الضيافة ، وهي إطعام الغير جمعا وفرادى ، فإن ذلك من جملة حقيقته التي هو قائم بها في الوجود ، وهو الإمداد الحسي ظهر عليه من التخليق باسمه تعالى المقيت في اعتبار الحضرة الاسمائية ( وجعله ) ، أي الخليل عليه السلام ( ابن مسرّة ) من العارفين يعني حكم بأنه قائم ( مع ميكائيل ) عليه السلام ( ملك الأرزاق ) كلها الحسية والمعنوية في حضرة القدس لا يفارقه حيث إن الروحين صادرتان من عين أمرية واحدة في شأن إلهي واحد .
ثم بين وجه ذلك بقوله ( وبالأرزاق ) الحسية والمعنوية ( يكون تغذي ) ، أي نمو وبقاء ( المرزوقين ) من المحسوسات والمعقولات ، فالجسم يتغذى فينمو ويبقى بالمأكل والمشرب ، والروح تتغذى بالقوى الأمرية فتنمو وتبقى والعقل يتغذى بالكشف والعلم الذوقي فينمو ويبقى ، ولا بد في كل غذاء من دخوله في أجزاء المتغذي به كدخول المأكل والمشرب في الجسم ، واتصال القوى الأمرية الإلهية بالروح ، وإحساس العقل بالعلم الذوقي الكشفي النوراني ، وإلا فلا يكون ذلك غذاء .