إني مظهره وموضع تجليه ونفوذ أحكامه وتصرفاته . قال تعالى :
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ
[ محمد : 7 ] فهو وعد بالفرق على الجمع فنصره ظهوره حيث لا نحن ، ونصرنا ظهورنا حيث لا هو ، فله الحكم في الجمع ، ولنا الحكم في الفرق . وقد دعا بعض المعصومين بقوله :
رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً
[ الشعراء : 83 ] ، فطلب الفرق ، ثم قال : واجعلني من الصالحين ، أي صاحب جمع ، لأن الفرق وحده ضلال وغفلة وطغيان ، ومع الجمع ويسمى جمع الجمع والفرق الثاني ، نور وهداية وكمال لاستغناء الجهتين اللتين للحق تعالى في حضرة علمه كما قدمنا .
( كذلك ) ، أي كما أني أساعده وأسعده ( الحق ) سبحانه ( أوجدني ) ، أي تجلى علي وأنا في إمكاني معدوم أزلا ، فعلمني فقدرني وخلقني ، ثم لما جاء ابتداء تقدير ظهوري أظهرني بنور وجوده لي ولغيري ، فكان إيجاده لي بوجوده مدة إمكاني فتقديري كذلك ، ومثلي كل شيء ، وأنا حكمة وجود كل شيء وحكمة وجودي إنما هي معرفتي به التي هي عين ظهوره في صورتي وصورة كل شيء عندي كما ورد : « يا ابن آدم خلقتك من أجلي ، وخلقت الأشياء كلها من أجلك ، فلا تشتغل بما خلق من أجلك عما خلقت من أجله » « 1 » وأشار إلى ذلك بقوله ( فأعلمه ) ، أي بعد أن أوجدني لذلك وعلمي به لا من حيث هو على ما هو عليه في حضرة إطلاقه ، لأن ذلك لا يكون إلا للقديم ، وإنما علمي به من حيث ظهوره في أحكام الإمكان .
وهذه الحيثية له من حيث نحن حدثت بحدوثنا وهي تنزله لنا بنا ، وهو الغني بالذات عن العالمين ، والعالم ما سواه تعالى ، وهي جهة الإمكان في نفسه لا من حيث الجهة الأولى كما مر ولهذا قال : ( فأوجده ) ، أي أوجده بإمكاني ظاهرا عندي في حضرة تجليه بصورتي وصورة كل شيء ، حيث لا أنا ولا غيري ، ثم أيد ما قال تعالى بقوله ( بذا ) ، أي بهذا الأمر المذكور والمشروح في ضمن هذه الأبيات ( جاء الحديث ) عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ( لنا ) معشر المكلفين الورثة المحمديين من أمته ، إذ لا يفهم ذلك من الحديث إلا الوارث الكامل صاحب الولاية الجامعة دون العلماء المحجوبين ، فإن حظهم من ذلك الإنكار والجحود في الغالب ، وهو رزقهم المعنوي كما قال تعالى في حق من كذب النبيين
وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ
( 82 ) [ الواقعة : 82 ] وتكذيب الولي في فهمه تكذيب النبي في قوله عند العارفين دون القاصرين .
هامش
( 1 ) هذا الأثر لم أجده فيما لدي من مصادر ومراجع .