ذلك ، ولا شك أن الغذاء هو ما به قوام الشيء وبقاؤه ، والمثال هنا مفهوم ، فإن الإمكانات العدمية لا قوام لها ولا بقاء إلا بالوجود ، وكذلك الوجود من حيث ظهوره متصورا بها لا قوام ولا بقاء كذلك إلا بها ، وأما ما هو من حيث هو في نفسه فلا كلام عنه أصلا إذا علمت هذا ( فتعين ) ، أي لزم بمقتضى الحكمة ( عليه ) ، أي على الحق سبحانه أن يظهرك في كل وقت موصوفا بالوجود مدة إمكانك كذلك ، وهذا الإظهار كذلك هو عين ( ما تعين ) ، أي لزم بمقتضى استعدادك الغير المجعول ( عليك ) من إعطائه الأحكام التي يظهرك فيها ، فعليك إعطاؤه أحكام ظهورك ممكنة مفروضة مقدرة ، وعليه إعطاؤك جميع ذلك موجودا محققا .
( فالأمر ) الذي هو عين أحكامك الظاهرة منك في مدّة ظهورك ( منه ) سبحانه وأصل ذلك ( إليك ) بصفة الوجود ( و ) ذلك الأمر أيضا ( منك ) وأصل ( إليه ) سبحانه بصفة الإمكان والتقدير لا الوجود ( غير أنك ) يا أيها الإنسان ( تسمى ) في الشريعة ( مكلفا ) بصيغة اسم المفعول ، لأن الحق كلفك ، أي أوقعك في الكلفة وهو المشقة بما أمرك به ونهاك عنه من الأفعال والأقوال والأحوال على ألسنة التراجم المعصومين من الملائكة والأنبياء عليهم السلام مع أنك لا تظهر في الوجود إلا بما أعطيت الوجود أن يظهرك به من إمكانك العدمي ، فإن وافق ذلك عين ما كلفك به سعدت وإلا شقيت .
( و ) الحق سبحانه ( ما كلفك ) بما كلفك به ( إلا بما ) ، أي بسبب ما ( قلت ) ، أي قولك ( له ) سبحانه ( كلفني ) قولا صادرا منك له ( بحالك ) الذي أنت عليه في إمكانك العدمي وهو استعدادك الغير المجعول ( وبما ) ، أي وأيضا بسبب الذي ( أنت عليه ) في إمكانك العدمي من حالك المقتضي لذلك التكليف ، وهذه حكمة تكليفك يا أيها الإنسان بالشرائع والأحكام دون ما عداك من بقية المخلوقات ، والجن معك في هذه الحالة ، وإذا عممنا التكليف في كل نوع من أنواع المخلوقات لوجود العقل عند الكل كما هو مذهب بعض العارفين ، فالحالة كذلك فيهم أيضا .
وكلام الشيخ قدّس اللّه سره عام يصح الذهاب به كل مذهب ( ولا يسمى ) هو سبحانه ( مكلّفا ) بصيغة ( اسم المفعول ) ، وإن كنت أنت كلفته أي أمرته بأن يأمرك بعين ما أمرك به ، وأعطيته بإمكانك العدمي من الأحكام عين ما أعطاك منها موصوفة بالوجود ، ولكن ذلك لم يرد فلا يصح القول ( فيحمدني ) ، أي الحق سبحانه والحمد هو الشكر ومن أسمائه الشكور ، وحمده لي باعتبار أني أعطيته بإمكاني العدمي من جميع ما أعطاني هو بتقديره الوجودي . ( وأحمده ) ، أي أشكره سبحانه على جميع ما أعطاني إياه من الأحوال الوجودية ، وذلك هو عين إظهار النعمة ، فيظهر هو سبحانه
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص — صفحة 270
مساهمون: عبد الغني ابن إسماعيل النابلسي
ص٢٧٠