بما أعطيته من أحكام الإمكان ، وأظهر أنا بما أعطاني من ذلك بعد الاتصاف بالوجود .
( ويعبدني ) باعتبار أنه يأخذ مني عين ما يعطيني ، وقد أعطاني عبادته بعد ما أخذها مني ، فاتصف بها هو قبل أن يعطيني إياها ، ثم لما أعطاني إياها اتصفت أنا بها ، ولهذا أتى بالفاء فقال : ( فاعبده ) ، أي بما وصفني به من حكم العبادة .
ثم لما كان ظهوره لي وظهوري له في مظهر واحد هو عين صوري بحسب الظاهر والباطن ، فهي ظهوره بأحكام شؤونه ومقتضى صفاته وأسمائه ، وهي ظهوري بمقتضى ذاتي وصفاتي ، قال مفرعا ذلك على ما قبله بالفاء ( ففي حال ) من أحوال وهو حال ظهوره لي المعبر عنه بحال فنائي عني ( أقرّ ) ، أي اعترف ( به ) ، أي بظهوره في مظهري لي حيث لا أنا ( وفي حال ) آخر من أحوالي وهو حال غيبته عني في ظهوري لعيني في الأعيان الظاهرة لي مني ومن غير ( اجحده ) ، أي أنكر ظهوره في شيء منها الغلبة الغيرية على العينية ( فيعرفني ) هو حينئذ في هذه الحالة ( وأنكره ) أنا فيها ، وذلك لأنه إذا عرفني فرقني عني وفصلني عن إجماله ، وبسبب ذلك تحصل لي هذه الحالة الثانية فأقع أنا في الفرق فأجحده في صورتي وأنكره فيها . وأما إذا عرف نفسه فإنه يجمعني عليه ويجملني في تفصيله فتحصل لي الحالة الأولى فأقع في عين الجمع ، فأقر وأعترف به وأجحد نفسي وأنكرها في وقت ظهوره ، ولهذا قال :
( وأعرفه ) في الحالة الأولى ( فأشهده ) فيها .
والحاصل أنه إذا شهد نفسه في صورتي أشهده أنا فيها وأنكر ما عداه ، وإن شهدني في صورتي ولم يشهد نفسه شهدت أنا صورتي وأنكرته فيها حيث لم أشهده فيها ، وذلك لأنه سبحانه خلق صورتي وقدّرها في الأزل في علمه ليكون لها جهتان :
جهة كونها له سبحانه يظهر بها لنفسه بنفسه فيرى نفسه فيها حيث هو ممسك لها وهي قائمة به مثل قيام العرض بالجسم في المثال المعروف عند العقلاء وقيام الصورة بالجسم قيام العرض بالجسم ، لأن الصورة عرض ، ولا شك أن كل صورة تنسب إلى ما قامت به من الجسم فيقال : صورة الحجر كذا وصورة الشجر كذا . وفي الحقيقة الممسك للصور كلها هو الحق تعالى لا الحجر ولا الشجر ، بل الحجر والشجر من جملة الصور الممسوكة بالحق تعالى ، والعالم كله صور أجسامه وأعراضه محسوساته ومعقولاته ، وهي كلها للّه تعالى كما قال سبحانه :
لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
[ البقرة : 284 ] ، وهي كلها فانية في نفسها ظاهرة بالوجود الذي له ، لأنه ممسكها فلا يتخلى عنها طرفة عين . قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا
[ فاطر : 41 ] الآية . فهذا الإمساك إمساك إيجاد لا إمساك