فيحمدني وأحمده * ويعبدني وأعبده
ففي حال أقرّ به * وفي الأعيان أجحده
فيعرفني وأنكره * وأعرفه فأشهده
فإني بالفنى وأنا * أساعده وأسعده « * »
لذاك الحقّ أوجدني * فأعلمه فأوجده
بذا جاء الحديث لنا * وحقّق فيّ مقصده
( فأنت ) يا أيها الإنسان ( غذاؤه ) ، أي غذاء الحق سبحانه ( بالأحكام ) التي أخذها منك بعلمه القديم فعلمك بها ، وذلك من حيث مرتبة ألوهيته التي منها كونه عالما بك مريدا لك قادرا عليك ، فإنه من هذه الحيثية إنما تغذى بك وبأحوالك حتى ترتبت له مرتبة الألوهية التي هي من جملة الحضرات المتنزلة بها إليك في مثابة الجسد الذي يحتاج إلى الغذاء ، وأما من حيث مرتبة ذاته العلية فهو غني عنك وعن غيرك من العالمين كما قال سبحانه :
فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ
.
وهذه المرتبة للمرتبة الأولى بمنزلة الروح المنزهة عن الغذاء بالأشياء ( وهو ) سبحانه وتعالى ( غذاؤك ) يا أيها الإنسان ( بالوجود ) الذي هو فائض منه عليك ، ولا إفاضة ولا غذاء ، ولكن ذلك أداة توصيل باصطلاح خاص لإيصال المعنى المراد إلى السالك في طريق العارفين .
واعلم أن ما ثم إلا حق وخلق والحق هو وجود صرف مطلقا عن الكم والكيف والزمان والمكان وغير ذلك حتى عن مفهوم الإطلاق ، والخلق هو التقادير العدمية المشتملة على الكم والكيف والزمان والمكان وغير ذلك لا وجود لها أصلا ، ثم أن الحق سبحانه الذي هو الوجود الصرف كما ذكرنا هو الذي قدر جميع الإمكانات العدمية المسماة خلقا وتجلى عليها بحسب ترتيبها في التقدير ، فظهر كل شيء مصبوغا بصبغه الوجود إلى تمام مدة تقديره كذلك ، والحق على ما هو عليه ما انتقل ولا تحوّل ، وتلك التقادير على ما هي عليه أيضا لا انتقلت ولا تحوّلت ، وانتقالها وتحوّلها من جملة تقديرها ، فالانتقال والتحول لا انتقال ولا تحول ، فيصح القول بإضافة الوجود باعتبار ولا يصح باعتبار آخر ، وحيث قلنا بانصباغ الإمكانات العدمية بالوجود ، نقول أيضا بانصباغ الوجود بالإمكانات العدمية أيضا ، فيصح كون الوجود غذاء للإمكانات العدمية ، لأنها لم توجد إلا به وهي في نفسها عدم صرف ، ويصح أيضا كون الإمكانات العدمية غذاء الوجود ، لأنها بها تصور وتشكل ، فظهر في الصور والأشكال للحس والعقل وهو في نفسه وجود صرف منزه عن جميع
هامش
( * ) -